ميلوني تحكم إيطاليا: صعود اليمين القومي يهدد مستقبل الوحدة الأوروبية
سياقات - سبتمبر 2022
تحميل الإصدار

الحدث

● فاز ائتلاف اليمين بقيادة حزب “إخوة إيطاليا” (يمين متشدد) الذي تتزعمه “جورجيا ميلوني“، بأغلبية واضحة في الانتخابات التشريعية الإيطالية التي جرت يوم الأحد 25 سبتمبر/أيلول 2022، حيث حصل الائتلاف الذي يضم إلى جانب حزب “إخوة إيطاليا” حزبي الرابطة (يمين متشدد) و”فورزا إيطاليا” (يمين وسط) على نحو 43% من الأصوات، بينما حصل الحزب الديمقراطي الذي يمثل يسار الوسط ويعد المنافس الرئيسي للائتلاف اليميني على 19% من الأصوات.
● كان الرئيس الإيطالي “سيرجيو ماتاريلا” قد دعا إلى انتخابات مبكرة عقب استقالة رئيس الوزراء “ماريو دراجي” في يوليو/تموز، بعد انسحاب الأحزاب الرئيسية من الائتلاف الحاكم واتهامها لـ “دراجي” بالفشل في معالجة الأزمات الاقتصادية المتزايدة.

ميلوني تحكم إيطاليا صعود اليمين القومي يهدد مستقبل الوحدة الأوروبية

تحديات داخلية وخارجية أمام تنفيذ أجندة “ميلوني” اليمينية

  • تمهد نتائج الانتخابات الإيطالية الطريق أمام “ميلوني” لتولي رئاسة أول حكومة يمينية متشددة في إيطاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تزايدت شعبية “ميلوني” في السنوات القليلة الأخيرة بسبب إصرارها على البقاء خارج جميع الائتلافات الحاكمة التي تشكلت منذ 2018؛ الأمر الذي منح “ميلوني” وحزبها التموضع في خانة المعارضة الرئيسية والمخالفة للنخب السياسية التقليدية، في نفس الوقت الذي عانت فيه جميع الأحزاب الرئيسية المشاركة في الائتلافات الحاكمة من تزايد الاستياء الشعبي جراء تفاقم الأزمات الاقتصادية.
  • علاوة على ذلك؛ استطاعت “ميلوني” من خلال خطابها وآرائها المتعلقة بالاتحاد الأوروبي، ومناهضة الهجرة والدفاع عن الهوية الوطنية الإيطالية، جذب قطاعات واسعة من الجمهور الإيطالي الساخط؛ مما انعكس على نتائج “ميلوني” وحزب “إخوة إيطاليا” في الانتخابات التشريعية، حيث قفزت من 4% في انتخابات 2018 إلى أكثر من 26% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة.
  • على الرغم من الوعود الانتخابية لـ “ميلوني” والتي ارتكزت على انتهاج سياسات اقتصادية اجتماعية تتمثل في تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي على المعاشات التقاعدية، إلا أن ثمة قيود داخلية وخارجية ستعيق “ميلوني” عن المضي قدما في تنفيذ أجندتها اليمينية، حيث تعاني إيطاليا من ارتفاع الدين العام، فضلا عن توقعات قاتمة بشأن النمو الاقتصادي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة، مما يجعل خيارات السياسة الداخلية للحكومة الإيطالية المقبلة محدودة للغاية. 
  • على الجانب الآخر؛ إن حاجة روما للحصول على تمويل من الاتحاد الأوروبي بحجم 192 مليار دولار من صندوق التعافي الاقتصادي من جائحة كورونا، والمشروط بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي تعهد بها رئيس وزراء إيطاليا السابق “ماريو دراجي”؛ ستدفع حكومة “ميلوني” الجديدة إلى تجنب أي تغييرات جوهرية في أجندة الإصلاحات المتفق عليها مع “بروكسل”، وهو الأمر الذي حرصت “ميلوني” على التأكيد عليه من خلال بيانها الانتخابي المشترك مع حلفائها، والذي ارتكز على تعزيز مصداقية حكومتها المقبلة مع الاتحاد الأوروبي والأسواق الدولية.
  • ومع ذلك؛ ستسعى “ميلوني”، في إطار حرصها على تلبية توقعات القاعدة التصويتية الخاصة بها إلى المناورة في بعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية مع الاتحاد الأوروبي، وستحاول فرض سياساتها الهادفة إلى مزيد من تدخل الدولة في بعض القطاعات الحيوية، بالإضافة إلى فرض سياسات أكثر حمائية للقطاعات الاقتصادية الرئيسية، ومن المتوقع أن تتخذ حكومة “ميلوني” إجراءات أحادية بشأن قضايا الهجرة والسياسات الاجتماعية الخاصة بالأسرة والهوية الجنسية؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى بعض النزاعات القانونية بين روما ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، لكنها لن تتطور على الأرجح إلى تأزم في العلاقات بين الجانبين، خاصة وأن تلك القضايا لم تعد تمثل نفس القدر من الأهمية للاتحاد الأوروبي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
  • بالرغم من خطاب الكتلة اليمينية الذي بدا في أحيان كثيرة متعاطفا مع الرئيس الروسي “فيلادمير بوتين”، حرصت “ميلوني” على التأكيد على استمرار تحالف إيطاليا الجيوسياسي مع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، فمن المرجح أن تواصل روما دعمها لأوكرانيا في ظل الحكومة اليمينية الجديدة، بينما ستلتزم “ميلوني” بسياسة الاتحاد الأوروبي الحالية بشأن روسيا، لكنها ستقاوم جهود “بروكسل” لتوسيع العقوبات على موسكو، والتي قد تتسبب في مزيد من الضرر للاقتصاد الإيطالي، حيث يشير تقرير لصندوق النقد الدولي أن القطع الكامل للغاز الطبيعي الروسي عن أوروبا سيؤدي إلى خسارة إجمالي الناتج المحلي الإيطالي بنحو 3.7% بين عامي 2022 و2023.
  • على الرغم من الأغلبية التي استطاع التحالف اليميني الحصول عليها في الانتخابات الإيطالية، إلا أن التحدي الرئيسي أمام “ميلوني” سيتمثل في قدرتها على الحفاظ على تماسك التحالف في ظل التباينات الأيديولوجية بين أعضائه والحسابات الشخصية والسياسية بين قادة الأحزاب، والتي يمكن أن تؤدي إلى عدم استقرار الحكومة المقبلة.

علاوة على ذلك؛ فإن العلاقات القوية التي تربط شريكي “ميلوني” في التحالف، “سالفيني” زعيم حزب الرابطة و”برلسكوني” زعيم حزب فورزا إيطاليا، مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، يمكن أن تؤدي إلى انقسامات داخل التحالف حول سياسات الاتحاد الأوروبي بشأن الحرب الروسية الأوكرانية.

الخلاصة

  • على الرغم من خطاب “ميلوني” اليميني المتشدد تجاه الاتحاد الأوروبي، والذي ارتكز على مشاركة إيطاليا في الاتحاد كممثل أكثر نفوذا من خلال اتباع سياسة مستقلة، فإن من المرجح أن تتبنى “ميلوني” خطاً سياسياً أكثر تقليدية تجاه أوروبا بمجرد مواجهتها لتحديات روما الداخلية واقتصادها المثقل بالديون، كما أن من المتوقع أن تمثل “ميلوني” تحديا للديمقراطية الأوروبية، من خلال سعيها لتنفيذ أجندتها للإصلاح الدستوري وتعزيز قوة السلطة التنفيذية على البرلمان.
  • ليس معنى هذا أن صعود اليمين المتشدد لحكم إيطاليا لا يغير قواعد اللعبة في أوروبا؛ لطالما كان التوتر بين إيطاليا وألمانيا بشأن السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي يمثل أحد أكبر التهديدات لتماسك الاتحاد الأوروبي، وبالنظر إلى أن الشتاء القادم سيكون قاسيا، فإن السياسيين الأوروبيين -وليس فقط الحكومة الإيطالية وحدها- سيضعون حماية مصالح ناخبيهم كأولوية، وبالتالي لن يتمكن البنك المركزي الأوروبي من تنسيق اقتصادات أوروبا، وإذا كان إنشاء الاتحاد الأوروبي يستهدف ضمان السلام والازدهار في القارة، فإن من الواضح أن الانتخابات الإيطالية تشير إلى أزمة تزعزع هذا السلام وتلاشي هذا الازدهار، ومن ثم فإن حكومة “ميلوني” تمثل اختبارا جديا لقدرة الاتحاد على البقاء.
  • يشير صعود اليمين القومي في إيطاليا إلى حقيقة مهمة؛ وهي أن الدولة القومية تعيد تأكيد نفسها على أنها المحرك الأساسي للحياة السياسية، بينما تواجه المؤسسات متعددة الجنسيات مثل الاتحاد الأوروبي والمعاهدات التجارية المتعددة الأطراف تحديات لأن البعض ينظر إليها على أنها ليست في المصلحة الوطنية، ولا تمثل التساؤلات حول العضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والاتفاقيات التجارية، وحول الحق في مراقبة الحدود، عودة للفاشية ولا صعودا جديدا لها، لكنها تشير إلى صعود القومية ضمن نفس نموذج الديمقراطية الليبرالية الغربية.

إقرأ أيضاً:

هل تنفصل إسكتلندا عن بريطانيا؟ استفتاء متوقع في 2023 لتحديد مصيرها

قطع الغاز الروسي عن بولندا وبلغاريا: أوراق “بوتين” المحدودة لن تحبط إجراءات عزل روسيا

لماذا غابت ألمانيا عن المشهد الروسي الأوكراني؟

نورد ستريم 2: تدفق نفوذ روسيا الجيوسياسي إلى أوروبا