الجزائر تفضل تدهور العلاقات مع إسبانيا للتأكيد على أولوية “الصحراء”
سياقات - يونيو 2022
تحميل الإصدار

الحدث

أعلنت الجزائر، يوم الأربعاء 8 يونيو/حزيران 2022، التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، الموقعة بين البلدين منذ 20 عام، بالإضافة إلى تجميد عمليات التجارة الخارجية للمنتجات والخدمات من وإلى إسبانيا، وفي هذا السياق قالت جمعية البنوك الجزائرية إنها قطعت المدفوعات لإسبانيا مقابل أي سلع غير غازها الطبيعي، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تجديد رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” دعم مدريد مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المغرب في منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، وكانت إسبانيا قد حولت موقفها المحايد منذ عقود من منطقة الصحراء الغربية، حيث أعلنت في مارس/آذار الماضي دعمها للخطة المغربية تجاه الصحراء الغربية.

التحليل: الجزائر تلجأ لسلاح الغاز في ظل أزمة الطاقة الأوروبية

  • تؤكد هذه الخطوة ما أشرنا إليه في عدد سابق من سياقات حول ترجيح تصاعد التوترات بين الجـزائر وإسبانيـا والتأثير على صادرات الغاز بين البلدين في المدى القريب، على إثر القرار الإسباني بدعم السيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية، فقد تصاعدت التوترات بين الجانبين في الشهور الماضية،
  • حيث أوقفت الجزائر تصدير الـغاز إلى كل من المغرب وإسبانيا عبر خط أنابيب “المغرب العربي-الأوروبي” في أكتوبر 2021، ووجهت في شهر إبريل/نيسان الماضي تحذير لها بتعليق إمدادات الغاز عبر خط أنابيب “ميدغاز”، إذا تم تحويله إلى المغرب، وجاء التحذير في أعقاب محادثات بين الرباط ومدريد حول مساعدة المغرب على مواجهة النقص المستمر من خلال عكس تدفق خط أنابيب “المغرب العربي-الأوروبي”.
  • تشير المؤشرات إلى أن الجزائر ليست بصد الاستسلام إزاء تغير المواقف العربية والدولية تجاه قضية الصحراء، وأنها ماضية في تبني سياسة حازمة للتأكيد على تمسكها بموقفها التاريخي، بما في ذلك استخدام صادراتها كأداة ضغط خاصة على الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يسعى فيه الأخير لتأمين الامدادات البديلة عن الغاز الروسي، كذلك؛ يمكن أن يشير قرار الجزائـر إلى التلويح بسلاح الهجرة، حيث تمثل السيطرة على الهجرة غير الشرعية أحد مجالات اتفاقية الصداقة.
  • تأتي هذه الإجراءات للتأكيد على هذا النهج الحازم، ولا يعني هذا بالضرورة اتجاهها لوقف شحناتها بشكل كامل، وإن كان هذا غير مستبعد في ظل التوتر الحالي، فبالرغم من استجابة مدريد للتحذير وتأكيدها على عدم إعادة توجيه الغاز إلى المغرب؛ لكنّ الجـزائر بدأت بالفعل في تخفيض صادراتها، وتشير البيانات إلى اضطرابات في واردات الغاز الجزائـري إلى إسبانيا في الشهور الماضية، حيث انخفضت حصتها من إجمالي واردات إسبانيا من الـغاز الطبيعي إلى 22% في الربع الأول من العام الجاري، بعد أن بلغت 45% في الربع الأول من العام الماضي.
من المتوقع أن تحول الجزائر جزءً من صادراتها من الـغاز الطبيعي المتجهة نحو إيطاليا عبر خط أنابيب "ترانسميد"
  • ومن المتوقع أن تحول الجزائر جزءً من صادراتها من الـغاز الطبيعي المتجهة نحو إيطاليا عبر خط أنابيب “ترانسميد”، وتشير الصفقة التي أبرمتها الجزائـر مع إيني الإيطالية في شهر مايو/أيار إلى ترجيح هذا الاحتمال، حيث ستقوم بزيادة صادرات الـغاز الطبيعي إلى إيطاليا بمقدار 9 مليار متر مكعب سنويا، ليصل إجمالي صادراتها من الـغاز إلى إيطاليا حوالي 30 مليار متر مكعب سنويا، وترتفع حصتها من إجمالي واردات إيطاليا من الـغاز الطبيعي من 30% في 2021 إلى 42% في العام القادم.
  • على صعيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، قد يمنع الطلب الأوروبي المتزايد على الـغاز بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، الدول الاوروبية من أن تتخذ نفس مسار إسبـانيا الداعم لخطة المغرب للحكم الذاتي للصحراء الغربية، وبناء على ذلك فإن علاقات الجزائـر مع الاتحاد الأوروبي من المرجح أن تظل مستقرة في إطار المصالح المتبادلة بين الجانبين في المدى القريب.
  • في المقابل، هددت إسبانيـا بتعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والجـزائر، وهو تهديد يشير إلى طبيعة القيود التي ستحد من قدرة الجزائر على مواصلة الضغط على شركائها الأوروبيين، حيث ستؤدي هذه الإجراءات إلى تعطيل الأعمال التجارية للشركات المنخرطة في تجارتها المتعددة الأطراف والتي تقدر بمليارات الدولارات.
  • ففي عام 2020، صدرت الجزائـر ما قيمته 2.59 مليار دولار من الصادرات، معظمها من الـغاز، إلى إسـبانيا، وصدرت إسبانيا في الماقابل ما قيمته 2.16 مليار دولار من الصادرات، معظمها الصلب والحديد والمنتجات الورقية والبلاستيك والخدمات، إليها ، وبدأ المستوردون بالفعل في الشكوى من اضطرابات التجارة بعد إعلان جمعية البنوك الجزائـرية.
  • وبينما تستخدم الجزائر موقعها كمصدر للغاز الطبيعي لتعزيز أوراق تأثيرها الإقليمية، فإن المغرب في المقابل شرع في خطة بديلة، حيث أعلنت شركة WorleyParsons الإسترالية، في أبريل/نيسان الماضي، أنها وقعت عقدا مع المغرب ونيجيريا لإجراء الدراسات الفنية الأولية لخط أنابيب الغـاز الذي سيربط بينهما عن طريق البحر، بينما أعلنت حكومة نيجيريا رسميا، 3 يونيو/حزيران الجاري، أنها أعطت شركة البترول الوطنية النيجيرية “إن إن بي سي”، الضوء الأخضر لتنفيذ صفقة مد خط أنابيب الـغاز إلى إسبانيا عبر المغرب. وهو مشروع سينهي اعتماد الرباط على كل من الجزائـر وإسبـانيا، كما أنه يمثل للأخيرة بديلا عن الـغاز الوارد.