أمريكا تدعم قبرص عسكريا: الصراع في المتوسط سيحدد علاقة تركيا مع الغرب
سياقات - أكتوبر 2022
تحميل الإصدار

الحدث

● أعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أن تركيا تتعهد بزيادة تواجدها العسكري في “جمهورية شمال قبرص” – المعترف بها فقط من قبل أنقرة – والذي يبلغ 40 ألف جندي، بـ”الأسلحة البرية والبحرية والجوية والذخيرة والمركبات”. وجاءت تصريحات “أردوغان” ردا على قرار واشنطن في 16 سبتمبر/أيلول الماضي، بتمديد رفع حظر توريد الأسلحة إلى قبرص لمدة عام، والذي اتخذته الإدارة الأمريكية في سبتمبر/أيلول عام 2020.
● في سياق متصل؛ ذكرت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية في وقت سابق من شهر سبتمبر/أيلول الماضي أن الولايات المتحدة تدرس تحويل ميناء “ألكساندروبولي” (Alexandroupoli) شمال شرق اليونان -بالقرب من الحدود التركية – إلى قاعدة بحرية مشتركة بين واشنطن وأثينا، وذلك من خلال تعميق وتوسيع الميناء ليصبح قادرًا على استضافة المدمرات الأمريكية من طراز “أرلي بورك” (Arleigh Burke)، والتي تحمل صواريخ موجهة وتمتلك أنظمة إلكترونية متقدمة.

القرار الأمريكي بتمديد رفع حظر السلاح عن قبرص يؤجج سباق التسلح في الجزيرة

التحليل: القرار الأمريكي بتمديد رفع حظر السلاح عن قبرص يؤجج سباق التسلح في الجزيرة

  • جاء القرار الأمريكي برفع حظر الأسلحة عن قبرص في إطار تشجيع نيقوسيا على مواصلة تعاونها مع واشنطن فيما يتعلق بالعقوبات الغربية على روسيا، حيث حرصت قبرص منذ الغزو الروسي لأوكرانيا على تأكيد التزامها بالتعاون مع الولايات المتحدة عبر منع عمليات غسيل الأموال الروسية، ومنع السفن العسكرية الروسية من الوصول إلى الموانئ القبرصية للتزود بالوقود وتلقي الخدمات، وهما قضيتين حاسمتين بالنسبة لفاعلية الحظر الذي تفرضه واشنطن وحلفائها على موسكو.
  • سيمثل نشر الولايات المتحدة لمدمرات في ميناء “ألكساندروبولي” شمالي بحر إيجة -في حال حدوثه- خطوة مؤثرة في مسار سعي واشنطن لتعزيز وجودها العسكري والاستراتيجي في منطقة شرق المتوسط وتطويق التمدد الروسي في المنطقة، والأهم من ذلك؛ أن التواجد العسكري الأمريكي في ميناء “ألكساندروبولي” سيمنح واشنطن طريقا بريا لعبور قواتها وقوات الناتو بسرعة وفعالية إلى أوروبا الشرقية، مما يمثل بديلاً استراتيجيا في حال وقوع أي أزمات تمنع أمريكا والناتو من الوصول إلى البحر الأسود عبر المضائق التركية.
  • كما أن تعزيز تواجد واشنطن العسكري والأمني في كل من اليونان وقبرص يستهدف تقويضا مبكرا لاستراتيجية روسيا الهادفة لتواجد دائم في شرق المتوسط يحقق لها هدفين؛ الأول: تأمين البحر الأسود نفسه، وخلق حاجز بحري إضافي ضد الغرب؛ والثاني، حاجة روسيا الجيوسياسية التاريخية إلى تأمين خط اتصال بحري يمتد من البحر الأسود وحتى باب المندب عبر البحر المتوسط.
  • لكنّ القرار الأمريكي لا يرتبط فقط باستراتيجية عزل روسيا، حيث يعتبر استمرارا لسياسة واشنطن في شرق المتوسط التي تستهدف تطوير الشراكة العسكرية مع كل من قبرص واليونان لتحقيق توازن قوى في مواجهة ما تعتقدان أنه تهديد تركي متزايد، وطوال موجات التوتر بين تركيا وكل من قبـرص واليونان التي تكررت خلال السنوات القليلة الماضية، حرصت واشنطن على تقديم دعمها بشكل مباشر لليونان وقبـرص، سواء فيما يتعلق بحقوق التنقيب عن الموارد الهيدروكربونية، وسيادة اليونان على جزر بحر إيجة.
  • على الجانب الآخر؛ فإن الإعلان التركي عن زيادة التواجد العسكري في شمال جزيرة قبرص، يمثل رسالة متوقعة حول تمسك تركيا الحاسم بالدفاع عن الأمر الواقع الذي فرضته منذ السبعينيات بخصوص “قبـرص التركية”، كما يعبر أيضاً عن قلق أنقرة المتزايد تجاه تنامي الوجود العسكري الأمريكي في اليونان، ولاسيما ميناء “ألكسندروبولي” بالقرب من الحدود التركية؛ وما قد ينتج عنه من خلل في توازن القوى بالمنطقة، أي إن التدابير التركية في بحر إيجة وشمال جزيرة قبـرص تؤكد على رسالة أنها جادة في استخدام قوتها العسكرية من أجل حماية وتأمين مصالحها في المنطقة إذا لزم الأمر.
  • لذلك، كان من اللافت أن يعلن الرئيس التركي “أردوغان”، عقب القرار الأمريكي، عن مناقشته مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مسألة تسيير رحلات جوية بين روسيا وجمهورية شمال قبـرص، وعلى الرغم من أن الكرملين أعلن أنه لا اتفاق حول هذه المسألة حتى الآن، لكنّ وسائل الإعلام التركية نقلت عن “أردوغان” احتمالية أن يبدأ هذا الخط قريبا، وهو ما سيؤدي لتداعيات واسعة تتعلق أولا بمسألة الاعتراف الروسي -ولو ضمنيا- بـ”جمهورية شمال قبرص التركية”، وربما دول أخرى حليفة لتركيا وروسيا؛ وثانيا، سيمثل ذلك تحديا لجهود واشنطن عزل روسيا.

الخلاصة

  • مازلنا في “أسباب” عند ترجيحنا السابق بعدم اندلاع مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان في التوقيت الحالي، إلا أن التوتر الراهن ليس من المتوقع احتوائه بصورة مستقرة طويلة الأجل، خاصة في ظل تواصل سباق التسلح في الجزيرة القبرصية وفي مياه بحر إيجة، على المدى المتوسط، كما لن يتسبب هذا النزاع فقط في تدهور الصراع بين كل من اليونان وقبـرص من جهة وبين تركيا من جهة أخرى، وإنما سيمتد على الأرجح إلى مجمل علاقة تركيا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.