إثيوبيا تتحول إلى خاصرة الإمارات ضد السودان مع تصاعد الصراع في القرن الأفريقي
سياقات - فبراير 2026

الحدث

كشف تقرير لوكالة رويترز، استند إلى مذكرة داخلية لأجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية وإفادات من مسؤولين حكوميين إثيوبيين، أنه منذ أوائل يناير/كانون الثاني 2026 خضع نحو 4300 مقاتل لتدريبات وتأهيل عسكري في معسكر سري أُنشئ في بلدة منجي القريبة من سد النهضة بإقليم بني شنقول، بهدف دعم قوات الدعم السريع في السودان. وبحسب المصادر، تولّت الإمارات تمويل إنشاء المعسكر، وتوفير مدربين عسكريين ودعم لوجستي، تحت إشراف الجنرال غيتاشيو غودينا، رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإثيوبي. ويضم المعسكر مقاتلين غالبيتهم إثيوبيين، وآخرين من السودان وجنوب السودان وعناصر من “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال”. في السياق ذاته، أعلنت “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، سيطرتها على مناطق في إقليم النيل الأزرق عقب مواجهات مع الجيش السوداني. وأشارت مصادر استخبارية سودانية إلى أن قوات الحركة انطلقت من مناطق حدودية مع إثيوبيا، فيما انتقلت قوات من الدعم السريع من شرق دارفور إلى جنوب السودان، ومنه إلى جنوب النيل الأزرق.

التحليل: الصراع في السودان يتمدد تدريجيا إلى دول الجوار

  • تسلط هذه التطورات الضوء على تمدد الصراع في السودان تدريجيا إلى دول الجوار، وتقاطعه مع التنافس الأوسع المتصاعد في القرن الأفريقي، بما يشمل جبهتين واسعتين، تضم الأولى السعودية ومصر وتركيا والصومال والجيش السوداني وإريتريا وجيبوتي، في مواجهة الإمارات و”إسرائيل” وإثيوبيا وقوات الدعم السريع. لا تمثل أي من هاتين الجبهتين حتى الآن “تحالفا مغلقا”، لكنّ تصاعد الأحداث ينذر بمزيد من تدهور الصراع الذي بات ممتدا من ليبيا مرورا بالسودان حتى الصومال.
  • يتزامن تدشين المعسكر في إثيوبيا بتمويل وتجهيز إماراتي مع مرحلة ما بعد الانسحاب الإماراتي من اليمن، بما يوحي بإعادة توجيه الثقل العملياتي من المسرح اليمني إلى السوداني. ويبدو أن أبوظبي تعمل على رفع مستوى دعمها لحميدتي في لحظة تتزايد فيها الضغوط الإقليمية على مسارات الإمداد القادمة عبر ليبيا وتشاد، سواء على خليفة حفتر أو على الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي. ففتح مسار إمداد عبر إثيوبيا يمنح الدعم السريع بديلًا استراتيجيًا في حال تضييق المسارات الغربية.
  • تتقاطع هذه التطورات مع اعتراف “إسرائيل” باستقلال أرض الصومال، بما يعزز تقاربًا إماراتيًا إسرائيليًا إثيوبيًا في القرن الإفريقي، ويخلق معادلة تعاون متبادلة تتمثل في إتاحة الأراضي الإثيوبية كنقطة عبور للنفوذ الإماراتي باتجاه الساحة السودانية، مقابل تسهيل تدشين منفذ بحري إثيوبي في أرض الصومال يوفر لأديس أبابا منفذًا إلى البحر الأحمر بتمويل ودعم لوجستي إماراتي، وغطاء سياسي وأمني إسرائيلي، ضمن إعادة ترتيب للتوازنات في القرن الأفريقي.
  • عسكريًا؛ يسهم توسيع نطاق القتال في النيل الأزرق والمناطق المحاذية لإثيوبيا وجنوب السودان في تشتيت جهود الجيش السوداني واستنزاف قدراته، لا سيما بعد الانتصارات الميدانية التي حققها مؤخرًا جنوب كردفان عبر فك حصار مدينتي الدلنج وكادقلي، ما أتاح له خط إمداد مفتوح من بورتسودان مرورًا بالنيل الأبيض حتى جنوب كردفان، ويمهد لتكثيف الضغط على قوات الدعم السريع غرب كردفان وإقليم دارفور، فضلًا عن حصار قوات الحركة الشعبية في معقلها بمنطقة كادوا، وعزلها عن بعضها البعض في جنوب كردفان.
  • إن تحريك الجبهتين الجنوبية الشرقية والجنوبية سيفرض على الجيش إعادة توزيع قواته على مسرحين متباعدين جغرافيًا، ويجبره على تخصيص قدرات جوية ودفاعية لحماية عمقه الشرقي ومنشآته الحيوية. في المقابل؛ يمنح الدعم السريع مسار إمداد بديل عبر الحدود مع إثيوبيا، ويخلق إمكانية مناورة تلتف على خطوط الجيش من الجنوب وصولا إلى جنوب كردفان.
  • في المقابل؛ اتخذت الخرطوم عدة خطوات؛ إذ بحث رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، مع مدير المخابرات المصرية حسن رشاد، التعاون الأمني والاستخباري في مواجهة حشود الدعم السريع والحركة الشعبية- شمالا على الحدود الإثيوبية. وبالتوازي، زار نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار جوبا لبحث ترتيبات منع استخدام أراضي جنوب السودان كعمق لوجستي للقوات المعادية، فيما عزت سلطات جوبا تحرك الدعم السريع داخل أراضيها إلى صعوبة ضبط الأوضاع في مناطقها الحدودية.
  • ميدانيًا؛ شنّ الجيش قصفًا جويًا على تجمعات للدعم السريع على الحدود الإثيوبية بهدف منع تثبيت منطقة عازلة تسمح بإنشاء خط إمداد دائم، كما نشر أنظمة دفاع جوي ورفع مستوى الحماية حول مراكزه القيادية والبنية الحيوية في الجنوب الشرقي للبلاد، وعزّز وجوده في ولايات النيل الأزرق وكسلا والقضارف، مع الحفاظ على خطاب رسمي يتجنب التصعيد المباشر مع أديس أبابا.
  • كما يُرجَّح أن ملف السودان من بين الملفات التي ناقشها وزير الخارجية السعودي خلال زيارته في فبراير/شباط 2026 إلى أديس أبابا ولقائه برئيس الوزراء آبي أحمد؛ إذ تسعى الرياض إلى تثبيت قنوات اتصال مباشرة مع القيادة الإثيوبية للحد من أي ترتيبات قد تؤثر في استقرار شرق وجنوب السودان والبحر الأحمر. كما يُتوقع أن تسهم صفقة التسليح الباكستانية المرتقبة للجيش السوداني بتمويل سعودي، بقيمة تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار، والتي تشمل طائرات هجومية وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي متطورة، في تعزيز قدرات الجيش السوداني لمعادلة الدعم الإماراتي الكبير لقوات الدعم السريع. بينما الإمارات تخطو في المقابل نحو مزيد من الشراكة مع الهند للحد من الدور الباكستاني.