الخبر
شهد الصومال عدة تطورات بعد قرار الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلغاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة مع دولة الإمارات، بما في ذلك تلك التي أبرمتها أبوظبي مع حكومات الأقاليم الصومالية. ويشمل القرار اتفاقيات التعاون العسكري، واستخدام الموانئ والمطارات، وإنشاء قواعد عسكرية. وقالت الحكومة الصومالية إن القرار “جاء استجابة لتقارير وأدلة قوية على اتخاذ خطوات خبيثة تقوض سيادة البلاد ووحدتها الوطنية واستقلالها السياسي”. وردا على القرار، أوقفت الإمارات دعمها المالي الشهري لقوات الأمن الصومالية لتغطية الرواتب والوقود والخدمات الطبية والغذائية، والمقدر بنحو خمسة ملايين دولار، فيما أعلن إقليم أرض الصومال، إلى جانب ولايتي بونتلاند وجوبالاند، رفضهم لقرار الحكومة الفيدرالية، واعتباره لاغ غير ملزم لهم، مع التأكيد على استمرار الاتفاقيات القائمة مع الإمارات، بما في ذلك امتياز إدارة ميناء بوصاصو لصالح شركة موانئ دبي العالمية لمدة 30 عاما مع حكومة بونتلاند.
التحليل: تدهور علاقات الصومال والإمارات حلقة جديدة في اضطراب القرن الأفريقي
- تشير هذه التطورات إلى تحركات إقليمية متصاعدة، وقد تكون منسقة، تستهدف احتواء تمدد النفوذ الإماراتي-الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. إذ لا يأتي قرار مقديشو بمعزل عن التحرك السعودي لإخراج الإمارات من جنوب اليمن، ولا اعتراف “إسرائيل” بأرض الصومال، كما أن القرار يتزامن مع إمدادات عسكرية باكستانية منتظرة للجيش السوداني، بقيمة 1.5 مليار دولار يتوقع أنها بتمويل سعودي في ظل تواضع موارد الخرطوم، وقصف الطيران المصري لقوافل إمداد لوجيستي تابعة لقوات الدعم السريع.
- يشير قرار الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلى انحيازها إلى جانب الرياض في سياق الخلاف المتصاعد بينها وبين أبوظبي مؤخرا في اليمن؛ فقد جاء قرار إلغاء الاتفاقيات عقب تهريب الإمارات عيدروس الزبيدي قائد المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني من الأراضي اليمنية عبر الصومال إلى الإمارات. وهو انحياز يستند إلى رؤية مفادها أن الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية التي عقدتها الإمارات مع إدارات إقليمية، ولا سيما في أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند، ساهمت في تكريس واقع تتصرف فيه هذه الكيانات باعتبارها أطرافًا مستقلة في علاقاتها الخارجية، ما شجّعها على مقاومة قرارات المركز ورفض الخضوع له، ما مهد لاعتراف إسرائيل نهاية عام 2025 باستقلال أرض الصومال.
- في المقابل؛ تتعامل الإمارات مع قرار الحكومة الفيدرالية بوصفه صادرًا عن سلطة لا تتحكم في البنية الأمنية والاقتصادية للدولة، إذ يرتكز النفوذ الإماراتي في الصومال على اتفاقيات طويلة الأمد مع إدارات محلية، وعلى السيطرة التشغيلية على موانئ استراتيجية. وجاء وقف التمويل لقوات الأمن الصومالية كإجراء عقابي متوقع بهدف التأثير سلبا على القطاعات الأمنية التي تعتمد عليها حكومة مقديشو في حفظ الأمن داخل العاصمة ومحيطها. ويظل من المحتمل أن توفر السعودية دعما تعويضيا لمقديشو؛ لأن تداعياته قد تصب في صالح حركة الشباب التي تستفيد من أي اختلال في انتظام الرواتب أو تراجع الجاهزية اللوجستية للقوات الحكومية. ويزيد من أثره تزامنه مع تعثر تمويل بعثة الدعم والاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أوصوم)، في ظل امتناع إدارة ترامب عن تمويلها.
- تستند مواقف إدارتي جوبالاند وبونتلاند، إلى عدم اعترافهما بشرعية الحكومة في مقديشو بينما تعلن أرض الصومال استقلالها. ويعتبرون أن الاتفاقيات مع الإمارات تشكل مصدرًا مباشرًا للموارد المالية والاستثمارات وتطوير البنية التحتية، وأداة لتعزيز السيطرة المحلية عبر تمويل وتدريب أبوظبي لقوات الجيش والأمن، فضلا عن فتح الباب لبناء علاقات دولية تمهد للحصول على اعتراف خارجي بشرعية السلطات المحلية.
- وللتعاطي مع عدم امتلاك حكومة مقديشو أدوات تنفيذ لفرض قراراتها على حكومات الأقاليم، يُرجح الدفع باتجاه تعزيز علاقات الصومال مع السعودية وتركيا ومصر، لتوفير الدعم المالي والسياسي والأمني والعسكري واللوجستي. ولذا زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025 أنقرة للقاء نظيره التركي، كما يُنتظر أن يزور الرياض قريبا للقاء ولي العهد السعودي، فضلا عن تعزيز التعاون مع جيبوتي وإريتريا، إذ تتقاطع مصالح الدول الخمسة في دعم استقرار حكومة مركزية في الصومال، ورفض مسارات التفتيت التي تدعمها إسرائيل وإثيوبيا والإمارات، ما يفتح الباب لتشكل صراع محاور جديد في القرن الأفريقي.