توتر العلاقات السعودية الأمريكية.. مناورات قد تعيد تأكيد الشراكة
مآلات - أبريل 2022
تحميل الإصدار

ملخص

● أرسلت الرياض في الآونة الأخيرة عدة إشارات تدل على انزعاجها من طريقة إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لملف العلاقات السعودية الأمريكية. في المقابل، لم تُظهر تحركات إدارة “بايدن” تجاوبا كبيرا مع الانزعاج السعودي، بل على العكس سعت الإدارة الأمريكية في ملف النفط لإيجاد بدائل عن التفاهم مع الرياض. نرجح في “أسباب” أن التغير الذي طرأ على العلاقة نتج عن توجه مقصود من الإدارة الأمريكية، بينما جاءت تحركات السعودية كرد فعل للتعبير عن الغضب. وبصورة عامة، فإن المناورات السعودية تستهدف استعادة العلاقات مع واشنطن، وإعادة تأكيد الشراكة الثنائية معها، وليس فك الارتباط عنها لمصلحة الصين أو روسيا.
● على الرغم من أن هذا التوتر يستند إلى أسباب جيوسياسية حقيقية، وعوامل شخصية، فإن الموقف الراهن لا ينسحب بالضرورة على مستقبل العلاقات الثنائية خاصة في حال صعود الأمير “محمد بن سلمان” لخلافة والده كما هو متوقع. فالمصالح المشتركة الواسعة، خاصة في عالم ما بعد حرب أوكرانيا، تجعل من المرجح أكثر أن عوائد الشراكة السعودية الأمريكية ما زالت أكثر فائدة من دوافع تدهور العلاقة.
● أظهرت أزمة ارتفاع أسعار النفط والغاز في ظل الحرب في أوكرانيا الدور الحيوي الذي تلعبه موارد الطاقة السعودية، كما أعيد تسليط الضوء على الخليج العربي كنقطة قوة في صراع الدول العظمى على الهيمنة الدولية. وتدرك واشنطن أن دفع الرياض لدائرة النفوذ الصيني أو الروسي سيمثل خسارة إستراتيجية ستحرص أمريكا على تجنب حدوثها.
● في المقابل، لا تزال المملكة تعتمد بشكل كبير على شركات الدفاع الأمريكية في توفير معظم المعدات العسكرية للسعودية، وستكون الرياض بحاجة إلى سنوات طويلة قبل أن تتمكن من شراء معدات كافية من مصادر أخرى -صينية أو روسية- ودمجها في قواتها المسلحة للتحول إستراتيجيا بعيدا عن مظلة الدفاع الأمريكية. كما أن حرب أوكرانيا أعادت التأكيد على موقع الهيمنة الغربية الذي تقوده الولايات المتحدة. وبينما تعمل روسيا والصين على تحدي هذه الهيمنة، فإن السعودية ستكون أمام هامش أقل للمناورة بمصالحها بين القوى الدولية المتنافسة.

مقدمة.. إشارات التوتر بين الرياض وواشنطن

  • أرسلت الرياض في الآونة الأخيرة عدة إشارات تدل على انزعاجها من طريقة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدنلملف العلاقات السعودية الأمريكية. ومن أبرز تلك الإشارات إعادة التفاوض مع الصين على بيع النفط السعودي لبكين باليوان الصيني بدلا من الدولار الأمريكي، ودعوة الرئيس الصيني لزيارة الرياض في أول زيارة خارجية له منذ انتشار فيروس كورونا، وتجنب السعودية إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وصولا إلى رفض الرياض الاستجابة للمطالب الأمريكية بزيادة إنتاج النفط لخفض سعره الذي وصل إلى 120 دولارا للبرميل.
  • في المقابل، لم تُظهر تحركات إدارة بايدنتجاوبا كبيرا مع الانزعاج السعودي، بل على العكس سعت لإيجاد بدائل عن التفاهم مع الرياض في مسألة أسعار النفط، وذلك من خلال السحب الواسع من الاحتياطي الإستراتيجي، والسعي لتنسيق أعمق مع قطر والإمارات والكويت. وهو الأمر الذي أعطى إشارة أن بايدنليس مهتما بالعمل سريعا لاسترضاء ولي العهد السعودي. وأخيرا تم الكشف عن إجراء تقدير استخبارات وطنية عالي السرية(National Intelligence Estimate (NIE)) بطلب من بايدنبشأن العلاقات مع السعودية، وهو مؤشر على توتر العلاقة وتنامي الشكوك إزاء جدوى استمرار اعتماد واشنطن على المملكة. أي أن التغير الذي طرأ على العلاقة نتج عن توجه مقصود من الإدارة الأمريكية، بينما جاءت تحركات السعودية كرد فعل للتعبير عن الغضب.
  • تثير هذه التطورات تساؤلات مهمة بشأن جذور توتر العلاقات السعودية الأمريكية، ومدى تأثير هذا التوتر على الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وجدية التحركات السعودية نحو الصين، ومدى قدرة الرياض على الاعتماد على شركاء آخرين غير واشنطن في تأمين مصالحها الإستراتيجية.
توتر العلاقات السعودية الأمريكية

جذور التوتر.. أولويات جيوسياسية واعتبارات شخصية

  • بدأت إدارة “بايدن” إثر وصولها للبيت الأبيض في إعادة تقييم العلاقات مع الرياض في ظل الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن أولويات السياسة الخارجية، بالتزامن مع التغيرات العميقة في نمط القيادة السعودية مع صعود ولي العهد “محمد بن سلمان” بصفته حاكم الأمر الواقع في المملكة، والانتقادات داخل المؤسسات الأمريكية لبعض سياساته، لدرجة أن بايدناعتبر أن المملكة العربية السعودية دولة منبوذة (a pariah state) خلال حملته الانتخابية. ويمكن الإشارة إلى أهم العوامل التي حفزت عملية إعادة التقييم، ومن ثم توتر العلاقات، على النحو التالي:

أولا: أولويات جيوسياسية متباينة

  • تضع إدارة “بايدن” -كما الإدارتين السابقتين- احتواء الصعود الصيني أولوية لسياستها الخارجية، ومن ثم تحول تركيزها الدولي إلى دعم الحلفاء في آسيا ضمن إستراتيجية المحور الآسيوي، بالإضافة إلى تعزيز التحالف مع أوروبا، وهو الأمر الذي عاد للصدارة على وقع حرب أوكرانيا. وهذا يدفع واشنطن بصورة متواصلة لإعادة تقييم جدوى انخراطها في مناطق أخرى، وإعادة رسم خريطة انتشارها لتوجيه مواردها إلى المناطق الأكثر أولوية. ومن هنا حاز الشرق الأوسط عموما على اهتمام أقل مقارنة بالعقد الأول من القرن الحالي، وذلك في ظل تقدير واشنطن بأن صراعات الشرق الأوسط تستنزف الموارد الأمريكية دون أفق لحلها. لم تتخل واشنطن عن مصالحها أو تتنازل عن نفوذها، لكنها بدأت التخلي عن بعض مسؤولياتها تجاه إدارة شؤون المنطقة الداخلية، وتركت مساحة أوسع لقوى الإقليم كي تدير صراعاتها بنفسها. وبالنسبة للسعودية، كان هذا تراجعا عن التزام واشنطن تجاه أمن المملكة خاصة في ضوء الصراع مع إيران وحرب اليمن.
  • أبدى الرئيس بايدنالتزاما تجاه التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وأرسل رسائل صريحة ومتكررة لحلفائه في المنطقة أن إدارته ملتزمة بذلك. وخلال جلسات اعتماد مجلس الشيوخ الأمريكي مطلع عام 2021 لوزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين ومديرة الاستخبارات الوطنية؛ تحدث الثلاثة عن توجه إدارة “بايدن” لإعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي مع إيران، والتوقف عن دعم العمليات الهجومية السعودية في حرب اليمن، وإعادة النظر في تصنيف إدارة “ترامب” للحوثيين جماعة إرهابية لتشجيع عملية التفاوض وإيجاد حلول سياسية للأزمة اليمنية، فضلا عن سهولة العمليات الإنسانية في الأراضي اليمنية. أشعل هذا تخوفات الرياض، خاصة وأن الاتفاق المحتمل مع إيران لا يراعي الشواغل السعودية إزاء سياسات إيران الإقليمية ويقتصر على الملف النووي.
  • أخيرا، جاء مشهد الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان ليضيف المزيد من القلق في السعودية على مدى جدية الالتزامات الأمريكية بحماية الحلفاء، كما انزعجت الرياض من سحب واشنطن في عام 2021 عددا من جنودها ومنصاتها الصاروخية التي سبق نشرها في الأراضي السعودية عام 2019 لتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية عقب الهجمات الحوثية التي استهدفت البنية التحتية للنفط والمطارات والقواعد العسكرية. وبالتالي بدأت الرياض في اتخاذ مواقف مضادة تدل على امتعاضها من المواقف الأمريكية، وتلوح بأنها ستضطر في ضوء ذلك لتعزيز علاقاتها مع الصين في مجالات أكثر إستراتيجية، وهي الإشارة التي لوحت بها الرياض عبر التعاون مع الصين لإنتاج صواريخ بالستية على الأراضي السعودية.

ثانيا: اعتبارات شخصية

  • على الرغم من عدم ارتباط المصالح الإستراتيجية والحسابات الجيوسياسية بالعوامل الشخصية قصيرة الأجل، فإن العامل الشخصي يبدو مؤثرا بنسبة معتبرة في مشهد توتر العلاقات الأمريكية السعودية الراهن؛ ليس فقط من الجانب السعودي حيث يتسم الحكم بمركزية فردية يتمتع فيها ولي العهد بهيمنة واسعة على صنع وتوجيه السياسيات، ولكن أيضا في الجانب الأمريكي حيث يختلف “بايدن” بصورة واضحة عن “ترامب”، وهو ما ظهر في نمط إدارة السياسة الخارجية الأمريكية وتفضيلات العلاقات وتقديم بعض الحلفاء وتجاهل آخرين.
  • أثارت سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمانالجامحة انزعاج بايدنحتى قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية. فقد بدّل “بن سلمان” طريقة اتخاذ القرار في الرياض لتصبح شديدة المركزية، ووضع مفاتيح السلطة والموارد تحت يده فقط بدلا من النهج الجمعي في إدارة شؤون الدولة وتقاسم السلطة بين رموز الأسرة الحاكمة الذي كان سائدا قبل ذلك. تجلى ذلك الجموح في اعتقال المئات من رجال الأعمال وكبار أعضاء الأسرة المالكة بمن فيهم ولي العهد السابق المقرب من واشنطن “محمد بن نايف”، واحتجاز رئيس الوزراء اللبناني “سعد الحريري” في الرياض، وأزمة حصار قطر التي كادت أن تتحول إلى غزو عسكري، وصولا إلى جريمة قتل “جمال خاشقجي” في القنصلية السعودية في إسطنبول، وموقف الرياض المتشدد تجاه كندا إثر انتقاد الأخيرة للوضع الحقوقي داخل السعودية.
  • ومع استلام الإدارة الجديدة، تعهدت مديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هانز برفع السرية عن تقرير الاستخبارات الخاص بجريمة مقتل “جمال خاشقجي”. ووضع “بايدن” إعادة تقييم العلاقة مع القيادة السعودية الحالية في مقدمة الأولويات الأمريكية لتجنب أي تصرفات متهورة تعرض مصالح واشنطن للخطر. وبالفعل بحلول فبراير/شباط 2021 أنهى بايدنالدعم الأمريكي للعمليات الهجومية السعودية في اليمن، ورفض علانية التواصل مع ولي العهد السعودي مكتفيا بتواصله مع الملك سلمان، وتواصلت الإدانات الأمريكية لوضع حقوق الإنسان في السعودية، كما فرضت واشنطن عقوبات رمزية على مسؤولين سعوديين متهمين بالضلوع في قتل خاشقجي، فيما أشار تقرير الاستخبارات الأمريكية المرفوع عنه السرية بخصوص جريمة اغتيال خاشقجيإلى أن الأمير محمد بن سلمانأمر على الأرجح بتنفيذ العملية.
  • تزامنت تلك التطورات خلال عام من عمر إدارة “بايدن” مع تنامي علاقاتها بصورة لافتة مع قطر، وإدراجها حليفا من خارج الناتو، واستقبال أميرها في واشنطن في أجواء احتفالية كأول زعيم خليجي يدعوه “بايدن” إلى البيت الأبيض. كما أظهرت إدارة “بايدن” مؤخرا اهتماما أكثر بتهدئة مخاوف أبو ظبي واحتواء توتر العلاقات معها. في المقابل أعاد البيت الأبيض التأكيد أنه لا خطط حاليا للتواصل بين “بايدن” و”بن سلمان”.

مصالح مشتركة طويلة الأمد

  • العلاقات الأمريكية السعودية التي ترسخت مع لقاء الملك “عبد العزيز آل سعود” والرئيس “روزفلت” في عام 1945 على ظهر البارجة الأمريكية كوينسي في البحيرات المرة قرب قناة السويس؛ ليست علاقات هشة، ولكن شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد تحمل أهمية لكلا الدولتين، ونشير إلى أبرز ملامحها على النحو التالي:

شراكة اقتصادية وسياسية

  • تمتلك الرياض ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يعادل 266 مليار برميل، أي ما يوازي 17.2٪ من الاحتياطي العالمي، وأنتجت 12.5٪ من حجم النفط المنتج عالميا في عام 2020، وبالتالي فإن استمرار تدفق النفط السعودي يمثل شريان حياة للاقتصاد العالمي مما يخدم المصالح الأمريكية فضلا عن مصالح حلفاء واشنطن. وعلى الرغم من تحول أمريكا إلى أكبر منتج للنفط عالميا، فإنها استوردت 395 ألف برميل نفط يوميًا من السعودية في عام 2021 لتحتل الرياض المركز الرابع ضمن أكبر مصدر للنفط الخام لواشنطن. وكذلك فإن السعودية هي ثاني أكبر شريك تجاري لأمريكا في الشرق الأوسط، حيث سجل ميزان التبادل التجاري بين البلدين 24.665 مليار دولار عام 2021، منها صادرات سعودية إلى واشنطن بقيمة 13.527 مليار دولار. وفي نهاية يونيو/حزيران 2021 بلغ حجم الاستثمار السعودي في سندات الخزانة والأسهم الأمريكية 323 مليار دولار، لتشغل الرياض المركز 22 عالميا ضمن أكبر حائزي الديون الأمريكية.
  • وعلى مستوى التعاون الإقليمي، فإن السعودية كانت دائما ضمن المحور الموالي لسياسات واشنطن ومصالحها في المنطقة. وحتى في ظل موقف الملك “سلمان” الرافض للحاق باتفاقيات “أبراهام”، فإن الرياض أبدت مواقف إيجابيا تجاه التطبيع مع “إسرائيل”، حيث تعززت الاتصالات والتنسيق بين الجانبين خلال السنوات القليلة الماضية. وفي نهاية عام 2020، منحت المملكة حق التحليق الجوي للطائرات الإسرائيلية داخل المجال الجوي السعودي لتسهيل الطيران المباشر من السعودية إلى الإمارات والبحرين. وكذلك لم تمانع السعودية المهيمنة على البحرين من قرار المنامة توقيع اتفاقيات أمنية إستراتيجية مع إسرائيل وصولا إلى تعيين ضابط ارتباط إسرائيلي مقيم على الأراضي البحرينية في فبراير/شباط 2022.

شراكة عسكرية وأمنية

  • عقدت الرياض خلال الفترة من 2009 إلى 2020 صفقات تسليح مع واشنطن بأكثر من 147 مليار دولار بحسب إحصاءات وكالة التعاون الدفاعي الأمريكي. ولا تزال المملكة تعتمد بشكل كبير على شركات الدفاع الأمريكية، التي توفر معظم المعدات العسكرية السعودية الحالية. حيث استقبلت السعودية منفردة ربع صادرات الأسلحة الأمريكية للعالم في الفترة 2015-2019، بما يمثل 73٪ من إجمالي واردات الأسلحة السعودية في نفس الفترة. تليها الواردات من المملكة المتحدة وفرنسا بنسبة 13٪ و4.3٪ على الترتيب. وهي دلالة على اعتماد السعودية العسكري الكامل على الولايات المتحدة بصورة خاصة والغرب بصورة عامة. كما أنه يشير إلى أهمية السعودية لشركات الأسلحة الأمريكية كمشتر ينبغي أن لا تخسره. وحتى إذا افترضنا غياب العقوبات الأمريكية في حالة الشراء من روسيا، أو غياب ضغوط واشنطن في حال الشراء من الصين، فإن السعودية بحاجة إلى سنوات طويلة قبل أن تتمكن من شراء ودمج معدات كافية في قواتها المسلحة للتحول الإستراتيجي بعيدا عن مظلة الدفاع الأمريكية.
  • ولا يزال الجيش الأمريكي يشرف على مهمة قيادة المساعدة الأمنية (USASAC) لوزارة الداخلية السعودية، وهي المهمة الوحيدة على مستوى العالم التي يقدم فيها الجيش الأمريكي مهام المشورة والتدريب لقوات الأمن التابعة لوزارة داخلية دولة أخرى. وتُعد الرياض شريكا أساسيا لواشنطن في ملف مكافحة الإرهاب، إذ نجحت في توفير معلومات ساهمت في إحباط العديد من الهجمات التي حاولت استهداف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالأخص المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وهو ما يؤكد عليه مدير سي آي إيه الأسبق “جورج تينت”، حيث يذكر أنه خلال شغله لمنصبه (1996-2004) كانت السعودية أكثر دولة زارها من بين 33 دولة سافر إليها.
  • وتُنظم اتفاقية تعاون أمني ثنائي موقعة بين الدولتين في عام 2008 -جرى تمديدها إلى عام 2023- العلاقات الأمنية في هذا الملف، كما تساهم بعثة استشارية أمنية أمريكية رفيعة المستوى (OPM-MOI) في تقديم المشورة الأمنية للرياض عبر عمل مستشارين أمريكيين في عدة مؤسسات سعودية حساسة مثل وزارة الداخلية، ورئاسة أمن الدولة، والجهات الحكومية المعنية بالطاقة والصناعة والأنشطة البحرية والأمن السيبراني.

مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية

  • رغم إصرار بايدنعلى عدم التواصل المباشر حتى الآن مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فإن هذا الموقف لا ينسحب بالضرورة على مستقبل العلاقات الثنائية خاصة في حال صعود بن سلمانلخلافة والده كما هو متوقع. وهو الأمر الذي عبّر عنه وزير الخارجية “بلينكن” قائلا إن “ولي العهد السعودي على الأرجح سيكون القائد لهذا البلد لمدة طويلة مستقبلا، وعلينا العمل مع قادة من حول العالم ممن شاركوا أو قاموا بأمور في بعض الأحيان قد نعترض عليها”.
  • وعلى الرغم من أن الخلافات الحالية جادة، فإن المصالح المشتركة والاعتبارات الجيوسياسية الواسعة -خاصة في عالم ما بعد حرب أوكرانيا- تجعل من المرجح أكثر الجزم بأن عوائد الشراكة السعودية الأمريكية مازالت أكثر فائدة من دوافع تدهور العلاقة. فقد أظهرت أزمة ارتفاع أسعار النفط والغاز في ظل الحرب في أوكرانيا الدور الحيوي الذي تلعبه موارد الطاقة السعودية. كما أعيد تسليط الضوء مجددا على الخليج العربي كنقطة قوة في صراع الدول العظمى على الهيمنة الدولية. فواشنطن تدرك أن دفع الرياض لدائرة النفوذ الصيني أو الروسي سيمثل خسارة إستراتيجية، ستحرص أمريكا على الأرجح على تجنب حدوثها.
  • وفي المقابل فإن اعتماد السعودية على التسليح الأمريكي، ومساعدة المستشارين العسكريين الأمريكيين في التصدي للتهديدات، وربطها عملتها المحلية بالدولار الأمريكي فضلا عن سابقة حماية واشنطن للسعودية ضد تهديدات “صدام حسين” عقب اجتياحه للكويت عام 1990؛ يجعل الرياض تدرك جيدا طبيعة ارتباطها بمظلة الحماية الأمريكية، وهو ما لا تقدر بكين أو موسكو على القيام به حاليا سواء لأسباب اقتصادية أو عسكرية. كما أن حرب أوكرانيا أعادت التأكيد على موقع الهيمنة الغربية الذي تقوده الولايات المتحدة. وبينما تعمل روسيا والصين على تحدي هذه الهيمنة، فإن السعودية ستكون أمام هامش أقل للمناورة بمصالحها بين القوى الدولية المتنافسة.
  • يعزز من هذا الاستنتاج أن إدارة بايدنواصلت خلال الآونة الأخيرة دعم السعودية عسكريا، إذ وافقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 على صفقة أسلحة بقيمة 650 مليون دولار تشمل صواريخ جو/جو، كما أرسلت سرا في فبراير/شباط 2022 شحنات من صواريخ باتريوت الاعتراضية لمساعدة السعودية على التصدي للهجمات الحوثية. وفي مارس/آذار، وقعت شركة لوكهيد مارتن مع الهيئة العامة للصناعات العسكرية في المملكة العربية السعودية (حكومية) اتفاقية توطين تصنيع مكونات نظام الدفاع الجوي الطرفية عالية الارتفاع (ثاد) الذي تبيعه للمملكة. وأخيرا، أطلقت قيادة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية يوم 17 أبريل/نيسان الجاري، فرقة عمل جديدة لتسيير دوريات في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، أطلق عليها “قوة المهام المشتركة 153″، وهي تستهدف ضمنيا مكافحة تهديدات الحوثيين والعمليات الإيرانية، وتشير إلى سعي واشنطن لإظهار التضامن مع شركائها الغاضبين السعودية والإمارات، والتأكيد على أن واشنطن ستظل شريكا إستراتيجيا.
  • في المقابل، فإن التلويح السعودي بالتقارب مع الصين لا يعدو أن يكون أداة للضغط على إدارة بايدن، ودفعها للتأكيد على التزامها بضمان أمن المملكة، أو على أبعد تقدير هو اختبار لمدى جدوى ونجاعة الرهان على الصين. لكن، وعلى الرغم من أن العلاقات الاقتصادية والتعاون العسكري من المرجح أن تظل قائمة بين الصين والسعودية، فإن هذه العلاقات ستواجه بعض مخاطر التراجع؛ لأن التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين تشير إلى أن واشنطن ستواصل العمل مع دول المنطقة عموما لمحاولة احتواء نفوذ بكين في المنطقة.
  • أيضا، ستحاول الرياض الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا، ولكن من المرجح أن تستغل السعودية حاجة الولايات المتحدة إلى ضبط أسواق الطاقة في أعقاب غزو أوكرانيا من أجل تسريع التقارب مع إدارة “بايدن”. أي أن المناورات السعودية تستهدف استعادة العلاقات مع واشنطن وليس فك الارتباط عنها لمصلحة الصين أو روسيا.

المصادر

جورج تينت. (2008). في قلب العاصفة: ذكرياتي في سي آي إيه. ترجمة دار الكتاب العربي.

Business Monitor Online. (2022, February 23). GCC-China ties to advance, but Gulf leaders to manoeuvre cautiously between US and China. Fitch Solutions.

Congressional Research Service. (2021, October 5). Saudi Arabia: Background and U.S. relations.

Cordsman, A. H. & Harrington, N. (2018, December 12). The Arab Gulf States and Iran: Military Spending, Modernization, and the Shifting Military Balance. Center of strategic international studies.

Risk Assistance Network and Exchange (RANE). (2022, March 22). Waning U.S. interest will compel Saudi Arabia to find other security partners.

The Economist Intelligence Unit. (2022, March 15). Arms manufacturing deal signals warming US-Saudi relations.

Wall Street Journal (Editorial). (2022, March 18). How Biden Lost Saudi Arabia?