تطبيعُ السعودية وإيران لا يُنهي الصراع ولكن يُغيّر استراتيجيته
سياقات - مارس 2023
تحميل الإصدار

الحدث

أعلنت جمهورية الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يوم 10 مارس/آذار، في بيان ثلاثي، التوصل لاتفاق بين السعودية وإيران لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح سفارتي البلدين خلال شهرين على أن يعقد وزيرا خارجية البلدين اجتماعا لتفعيل ذلك، كما أكد الاتفاق على احترام سيادة الدول، وتضمن تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بين السعودية وإيران الموقعة عام 2001، والاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب الموقعة عام 1998.

اتفاق السعودية وإيران يكشف تنامي نفوذ الصين في المنطقة

التحليل: اتفاق السعودية وإيران يكشف تنامي نفوذ الصين في المنطقة

تمثل خطوة تبادل السفراء تقدما حقيقيا ولكنّه مع هذا يظل محدودا؛ حيث يعكس الإعلان عدم التوصل لتفاهمات شاملة حول القضايا الإقليمية بين البلدين، وإنما وفقط وضع أسس العلاقة الثنائية، الأمر الذي يمكن ملاحظته من بيان الخارجية المصرية المقتضب الذي قال إنها “تتابع باهتمام” الاتفاق، متطلعة إلى أن يعزز الحفاظ على “مقدرات الأمن القومي العربي”، كما تطلعت الرئاسة المصرية إلى أن ينعكس الاتفاق إيجابيا على سياسات إيران الإقليمية بحيث “تراعي الشواغل المشروعة لدول المنطقة”، وهي إشارة لطبيعة الاتفاق المحدودة التي لم ترتب على إيران التزامات إقليمية.

  • من اللافت أن يأتي الاتفاق مباشرة عقب استضافة الرياض في فبراير/شباط الماضي اجتماعات رفيعة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، هي اجتماع “مجموعة العمل الخاصة بالدفاع الجوي والصاروخي المتكامل والأمن البحري“، واجتماع “مجموعة العمل الخاصة بإيران“، واجتماع “مجموعة العمل الخاصة بمكافحة الإرهاب“، وفي كل هذه الاجتماعات كان مواجهة “التهديد الإيراني” محورا للنقاش والتنسيق. وبحسب معلومات “أسباب”، فقد أبلغت واشنطن دول الخليج خلال الاجتماعات أن الخيارات المتاحة للتعامل مع إيران مازالت لا تشمل الحرب، وإنما تقتصر على ثلاثية “الردع والعقوبات والتفاوض”.
  • لذلك؛ من المبكر تصوير الاتفاق وكأنه نهاية للصراع طويل الأمد بين السعودية وإيران، كما إنه لا يمثل تغيرا في نظرة الرياض لطبيعة “التهديد الإيراني”، ولكن تغيرا في استراتيجية التعامل مع هذا التهديد، فالسعودية تسعى لتعزيز قدراتها على ردع تهديدات إيران عبر تطوير التنسيق مع الولايات المتحدة؛ وفي نفس الوقت تسعى للحد من التصعيد المباشر والتوصل لتفاهمات أمنية مع إيران لتجنب تهديد أراضي المملكة، وتجنيب الرياض التبعات الأمنية والاقتصادية للمواجهة المفتوحة بين إيران و”إسرائيل” والتي تدور بعض أنشطتها في مياه الخليج، وهو نفس النهج الذي تبنته الإمارات منذ أواخر عام 2019.
  • أي إن الاتفاق لا يضع نهاية للانقسام الجيوسياسي بين الرياض وطهران، ولكنه بداية لمرحلة جديدة أولوية السعودية فيها إدارة هذا التنافس عبر أدوات غير عسكرية، ويتناغم هذا مع مساعي ولي العهد السعودي لوضع نهاية لحرب اليمن والتركيز على تعزيز الاستثمارات والتنمية الاقتصادية.
  • المفاجأة الأهم هي رعاية الصين للجولة الأخيرة من الحوار وتوقيع الاتفاق في بكين، ويشير هذا إلى قدرة بكين المتزايدة على الاستفادة من نفوذها الدولي للمساعدة في حل نزاعات خارجية ليست الصين طرفا فيها. من الملفت أن تأتي الخطوة غير بعيدة عن طرح الصين رؤيتها لإنهاء الحرب في أوكرانيا، خاصة وأنها قد تكون أكثر الأطراف المرشحة للوساطة من قبل روسيا، وهو ما يضع الصين حتى من قِبل دبلوماسيين أمريكيين مخضرمين “كصانعة سلام محتملة في أوكرانيا“.
  • وعلى الرغم من إطلاع الرياض واشنطن على المحادثات، ودعم البيت الأبيض للاتفاق باعتباره يبشر بنهاية لحرب اليمن، فإن هذا لا يقلل من الدلالة الجيوسياسية للحدث؛ فمع التسليم بتفوق النفوذ الأمريكي سياسيا وأمنيا في المنطقة، لم يعد هناك شك حول حقيقة نفوذ الصين في الشرق الأوسط وقدرتها على تمثيل بديلٍ على الأقل في بعض القضايا، وهو ما عبر عنه “شمخاني”، في تصريح تلفزيوني، قائلاً إن طهران تأمل أن يخلق هذا الاتفاق “توازنا في سلوك القوى الأجنبية بالمنطقة”.
  • وترسل الوساطة الصينية أيضا رسالة ضغط سعودية واضحة على واشنطن، تُظهر أن المملكة جادة في تنويع تحالفاتها، وهي رسالة في توقيت حاسم قدمت الرياض فيه مطالب محددة من واشنطن تتمثل في الحصول على ضمانات أمنية يقرها الكونغرس، والمساعدة في تطوير برنامج نووي مدني، والحد من القيود على مبيعات الأسلحة الأمريكية، صحيح أن السعودية وضعت هذه المطالب كشروط مقابل التطبيع مع “إسرائيل”، لكنّها ترتبط في الأصل بما تريده الرياض من واشنطن أكثر من كونها مرتبطة بالانضمام “لاتفاقيات أبراهام”؛ لأن البديل سيكون اعتماد الرياض على حلفاء دوليين آخرين، بمن فيهم الصين، لتلبية هذه المتطلبات الحيوية.