الإمارات تتجه لشراكة دفاعية مع الهند لموازنة تحالف السعودية باكستان
سياقات - يناير 2026
الخبر
أجرى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد زيارة إلى الهند، في 19 يناير/ كانون الثاني 2026، إذ وقع مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي 12 اتفاقية وخطاب نوايا تهدف إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 200 مليار دولار بحلول 2032، كما شهدا توقيع خطاب نوايا لتدشين شراكة دفاعية استراتيجية بين البلدين.
التحليل: الإمارات تواصل تعزيز الشراكة ضمن محور الهند-إسرائيل

- دخلت العلاقات الهندية الإماراتية رسميًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، أمنيا واقتصاديا. وهي شراكة يمكن أن تتطوّر امتدادًا إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث تتناغم مع التحالف الثلاثي بين “إسرائيل” واليونان وقبرص. وترتكز جوهر الرؤية الجيوسياسية الهندية الراهنة على المجال البحري الممتد من المحيط الهندي إلى غرب المحيط الهادئ، ومن ثم فإن تعزيز العلاقات والنفوذ في غرب آسيا يمثل ضرورة.
- بالنسبة للإمارات، فإن لديها هدفا ثابتا هو توسيع شبكة شراكاتها الأمنية، وتنويع شركائها الاستراتيجيين بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة والسعودية، خاصة في مواجهة احتمالية العزلة بسبب شراكات السعودية الصاعدة مع باكستان وتركيا. وهكذا؛ فإن الصراع طويل الأمد بين الهند وباكستان بات حاضرا في الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق أكثر من أي وقت مضى.
- على المستوى الهندي، فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الأمن الاقتصادي الهندي، حيث يعد الخليج مصدرا للطاقة وفضاء للعمالة الهندية، وعقدة محورية في معادلة الأمن الاقتصادي الهندي. فقد باتت الهند أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الدولي، لأنها تعد رابع أكبر اقتصاد في العالم، كما تجاوزت الصين لتصبح الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان عالميا منذ عام 2023، وهي ثالث أكبر مستهلك للطاقة. وتعتمد الهند على دول الخليج لتلبية أكثر من ثلاثة أرباع احتياجاتها من النفط والغاز، إضافة إلى وجود جالية هندية تُقدّر بنحو تسعة ملايين نسمة في دول مجلس التعاون، تشكل مصدرًا حيويًا للتحويلات المالية والاستقرار الاجتماعي.
- ولتعزيز الحضور الهندي في الخليج، حرصت نيودلهي على تطوير علاقاتها مع أبوظبي التي تعد ثالث أكبر شريك تجاري معها، فوقعتا أول مذكرة تفاهم دفاعية في عام 2003، ثم جُددت كاتفاقية تعاون دفاعي في عام 2014، ووُسع نطاق التعاون ليشمل التدريب والمناورات المشتركة وتبادل الزيارات والمشاركة في المعارض الدفاعية. ثم تطورت العلاقة مع زيارة رئيس الوزراء مودي الأولى إلى الإمارات في عام 2015، والتي دشنت مرحلة جديدة من التقارب أعقبها رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة في عام 2018.
- هذه التطورات تزامنت مع التحولات التي شهدتها السياسة الإماراتية بدورها. فموقع الهند الجغرافي، المشرف على المحيط الهندي وبحر العرب، يجعلها شريكًا ذا قيمة في معادلات الأمن البحري التي تشغل أبوظبي، فضلا عن ثقلها السكاني والاقتصادي. كما يبرز البعد الإسرائيلي كعامل وسيط في تعميق التقارب الإماراتي–الهندي. فالشراكة الإماراتية الإسرائيلية، التي أُطرت رسميًا باتفاقيات إبراهام، أسهمت في خلق بيئة جديدة تسمح بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية بين الدول الثلاث. فإسرائيل تشغل المركز الثالث في قائمة موردي الأسلحة إلى الهند بنسبة 9% من واردات السلاح الهندية. ويُعدّ إطلاق إطار I2U2 في عام 2022 تجسيدًا لهذا التقاطع، حيث جمع الهند والإمارات و”إسرائيل” والولايات المتحدة ضمن منصة تهدف لتعزيز التعاون الاقتصادي.
- كما أن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي في قمة مجموعة العشرين عام 2023، يمثل أحد المحركات للتقارب الدفاعي. فالممر، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية وشرق المتوسط، يفترض وجود بيئة أمنية مستقرة، ما يجعل التعاون الدفاعي بين الإمارات والهند جزءًا من ترتيبات حماية سلاسل الإمداد. فالهند تعتبر أن تأمين مصالحها التجارية المتزايدة غربًا يتطلب شراكات أمنية، فيما ترى الإمارات في هذا التعاون وسيلة لتعزيز موقعها كمحور لوجستي وأمني في معادلات التجارة العالمية.
- ولا يخلو الإعلان عن مساعي تدشين شراكة دفاعية استراتيجية من تداعيات إقليمية، خاصة بالنسبة لباكستان والسعودية. فالتقارب الهندي المتزايد مع الإمارات، والمدعوم بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، يقابله انحياز باكستاني نحو المحور الذي تقوده السعودية، وبالتالي سيقرأ الإعلان الإماراتي الهندي كخطوة مقابلة للإعلان في العام الماضي عن اتفاقية دفاعية بين السعودية وباكستان. وإن كان الأرجح أن تتجنب الإمارات القطيعة مع باكستان، حيث زارها محمد بن زايد نهاية عام 2025.
- لكن من اللافت أن تتزامن خطوة الإمارات تجاه الهند مع قرار أبوظبي الانسحاب من اتفاقية إدارة مطار إسلام آباد، بذريعة فقدان الإمارات اهتمامها بالمشروع وعدم تمكنها من اختيار شريك محلي لإدارة العمليات. وبغض النظر عن حقيقة أسباب الانسحاب، فإن بروز باكستان كشريك عسكري لدول المنطقة، لا يبدو من قبيل المصادفة فهو يتناغم مع مصالح السعودية أكثر من مصالح الإمارات، على الأقل كما يظهر في دعم باكستان للجيش السوداني. وهو تناغم لا تغفل عنه الإمارات، وقد تنظر إليه كتحرك منسق لإحباط مصالحها من قبل السعودية.
- تعزيز التعاون الدفاعي الإماراتي الهندي لا يعني بالضرورة انتقال العلاقة إلى مستوى التحالف العسكري بقدر ما يشير إلى اتجاه عام نحو تعميق التنسيق في ملفات محددة، خاصة الأمن البحري وحماية البنية التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية ومكافحة الحركات الإسلامية. فالهند تتبنى سياسة حذرة تجاه الانخراط في ترتيبات أمنية قد تُفسر كاصطفاف ضد أطراف إقليمية أخرى، وعلى رأسها السعودية وإيران، أو كجزء من صراع المحاور في الشرق الأوسط.