في الحرب على إيران: سوريا توازن بين العداء مع طهران وعدوانية “إسرائيل”
سياقات - مارس 2026

الخبر: 

شدد الرئيس السوري أحمد الشرع، في 11 مارس / آذار، على دعم سوريا الكامل لمساعي الحكومة اللبنانية في استعادة السيادة وتعزيز الأمن ونزع سلاح حزب الله. وأدانت سوريا الهجمات الإيرانية على دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، واعتبر الرئيس السوري، أن الأفعال الإيرانية تمس “صلب الأمن القومي العربي”. في السياق ذاته، اتهمت هيئة عمليات الجيش السوري في 10 مارس/آذار حزب الله بإطلاق قذائف مدفعية باتجاه نقاط الجيش قرب بلدة سرغايا غرب دمشق، فيما قال الحزب إن مقاتليه تصدوا لعملية إنزال إسرائيلية. وسبق أن أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري توسيع انتشار القوات على طول الحدود مع العراق ولبنان مشددة على أن دمشق لا تخطط لأي عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها.

التحليل: سوريا تتحوط من تبعات الحرب وتعزز موقعها كحاجز ضد نفوذ إيران الإقليمي

  • تظل مصالح سوريا الأساسية هي: إضعاف نفوذ إيران الإقليمي بما يحد من التهديد الذي قد تمثله طهران على النظام الجديد، وردع أي تدخلات محتملة من قبل حزب الله في سوريا. بالإضافة إلى العمل على احتواء التهديد الإسرائيلي وتجنب الصدام العسكري مع تل أبيب، دون التخلي عن ضرورة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية والتصدي لأي مشروعات انفصالية أو محاولات لفرض مناطق حكم ذاتي.
  • لا تريد سوريا استعادة إيران نفوذها الإقليمي، لكنّ هذا لا يعني بالضرورة أن من مصلحة دمشق انهيار النظام الإيراني؛ حيث قد يؤدي ذلك إلى خلل بتوازن القوى الإقليمي، تبرز فيه “إسرائيل” كقوةً قادرةً على إعادة رسم الإقليم وفق رؤيتها. وبعد أن تكون قد ضربت “المحور الشيعي” بشدة ستوجه فائض القوة لديها لمواجهة “المحور السني”، الناشئ حسب نتنياهو، والتي ستكون واحدة من أبرز ساحاته هي سوريا. بالإضافة لذلك؛ قد تتخوف سوريا من سقوط النظام الإيراني وصعود نظام جديد موالي للغرب وحليف لإسرائيل، على غرار نظام الشاه، مما يشكِّل تهديداً جديداً لسوريا من قبل “إيران الجديدة” التي قد تدعم أجندة تل أبيب تجاه سوريا.
  • وفي حال صمدت إيران وخرجت من الحرب متماسكة، فإنها ستكون ضعيفة نتيجة الاستنزاف في الحرب ومسار إعادة البناء الطويل الذي تنتظره، لكنّها أيضا ستظل تمثل تهديدا محتملا لجيرانها الذين تعرضوا لهجماتها الصاروخية. ومن ثم، فإن دول الخليج، خاصة السعودية، وتركيا، والمجتمع الدولي، ستواصل جميعها تعزيز استقرار سوريا، لمنع عودة النفوذ الإيراني وأدواته إليها. وستواصل سوريا تعزيز المقاربة التي استُقبلت بها: وهي أنها تكسر حلقة النفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت. لكن المفارقة أنه يجب استمرار “التهديد الإيراني” لتستمر قدرة سوريا على تسويق هذا التموضع.
  • وعلى الرغم من العداء الطويل بين الثورة السورية وحزب الله، فليس من المرجح أن تبادر دمشق بشن مواجهة مباشرة معه. ومن ثم، فإن تعزيز القوات السورية على الحدود يرجَّح أن يأتي في سياق تخوّف دمشق من احتمال قيام صلات بين الجماعات المسلحة في العراق ولبنان وبين خلايا مدعومة من إيران، أو متعاطفة معها، داخل سوريا، بما قد يفضي إلى استخدام الأراضي السورية منطلقًا لشن عمليات ضد “إسرائيل”. وفي المقابل، فإن تلاقي مصلحة دمشق والاحتلال في إضعاف حزب الله وتقويض قدراته العسكرية يزيد من احتمال أن تكون الإنزالات الإسرائيلية في البقاع اللبناني عبر الحدود السورية قد جرت بموافقة سورية ضمنية، وربما بقدر من التنسيق، مع التسليم بأن قدرة دمشق على منعها — إن أرادت — تظل محدودة، في ضوء محدودية قدرتها أصلًا على وقف التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري نفسه..
  • تبقى “إسرائيل” التهديد الأبرز لسوريا خلال السنوات القادمة أكثر من “التهديد الإيراني”؛ ليس فقط لأنها أضعفت إيران خلال الحرب الحالية والتي سبقتها، وإنما أيضًا بسبب قدرتها العسكرية المتفوقة، وتماسها الجغرافي معها، ونزعتها التوسعية ورؤيتها التفكيكية لسوريا، وانفلاتها من أي رادع قانوني أو التزام بالمواثيق الدولية، حتى بلغ بها الأمر اغتيال القيادات السياسية للدول، وهو أمر نادر الحدوث في النزاعات الدولية.
  • من الناحية النظرية، تمثل الحرب الراهنة وتشتت المجهود العسكري الإسرائيلي فرصة لإعادة انتشار القوات السورية جنوباََ وتثبيت أمر واقع جديد، خاصة في مناطق التلال، التي هي مواقع استراتيجية توفر ميزة عسكرية ونقاط مراقبة مرتفعة، لكنّ المؤشرات الراهنة تفيد بأن الوضع الميداني لم يشهد تغيرا ملموسا كما أن التواجد الإسرائيلي لم يتأثر بالحرب. كذلك، ليس من المرجح أن تستغل دمشق أجواء الحرب لتغيير الوضع الراهن في السويداء بالقوة، حيث ستواصل دمشق إعطاء الأولوية لنهج “المهادنة” تجاه “إسرائيل” في ظل اختلال توازن القوى بين الجانبين وافتقاد سوريا لقدرات ردع إزاء العدوانية العسكرية الإسرائيلية.
  • تضغط الحرب على الاقتصاد السوري الهش أصلاََ، حيث تأثرت إمدادات الغاز الطبيعي “الإسرائيلي” عبر الأردن والقادم من مصر، وتأثر إنتاج الكهرباء، ويحيط انعدام اليقين بالاستثمارات والمساعدات الخليجية المنتظرة، وكل ذلك يُضعف الليرة ويرفع فاتورة الاستيراد. كما تخشى سوريا من تدفق اللاجئين اللبنانيين، وهؤلاء قد يشكل بعضهم عبئاً أمنياً بسبب الولاء المحتمل لحزب الله، والنقمة الشعبية المتراكمة في سوريا عليهم.