الحرب على إيران: استنزاف عسكري وتصعيد دون أفق سياسي 
مآلات - مارس 2026

ملخص

● يكشف الأسبوع الأول من الحرب تباين منطقها العملياتي بين الجانبين: فواشنطن وتل أبيب تستغلان تفوقهما الجوي وتدفعان نحو تدمير تدريجي وممنهج لبنية الردع الإيرانية، بينما تراهن طهران على الإغراق والانتشار الجغرافي واستنزاف الدفاعات متعددة الطبقات وإحداث أثر سياسي واقتصادي يتجاوز الأثر العسكري المباشر.

● رغم تخبط أهداف الحرب فإن ثمة منطق يربط بين تحقيق أهدافها العسكرية وبين “تغيير النظام”، وهو ما يجعل هذا الهدف دائم الحضور في الخطابين الأمريكي والإسرائيلي. لكن وجود منطق وراء تمسك ترامب بتغيير النظام لا يعني أنه هدف واقعي أو قريب المنال.

● من المرجح أن تخرج إيران من الحرب منهكة، وأن تواجه قدراتها العسكرية واقتصادها خسائر استراتيجية. لكنّ نجاح الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تحقيق أهدافهما السياسية يظل موضع شك كبير؛ لأنه لا يمكن تحقيقها إذا بقي النظام الحالي في السلطة حتى لو خرج من الحرب أضعف.

● كلما طالت أمد الحرب ستزداد مخاطر الاضطراب الداخلي في بعض الدول العربية، خاصة لبنان والعراق وسوريا. إذ ستؤدي مشاركة حلفاء إيران إلى ردود عسكرية أمريكية وإسرائيلية تضع حزب الله والفصائل العراقية في معادلة داخلية معادية أكثر.

● مع التأكيد على حالة الغموض التي تحكم مسارات مستقبل الحرب، فإن المشهد يتجه أكثر –على الأقل في الأجل القصير أيام أو أسابيع قليلة- إلى مزيد من التصعيد، مع احتمالية مرتفعة لتدخل دول أخرى بمستويات متفاوتة كلما طالت المدة، إما للدفاع عن أراضيها (دول خليجية) أو للدفاع عن حلفائها ومعاقبة إيران (تركيا/باكستان/مصر/دول أوروبية). 

● لكنّ مآل هذا التصعيد ما زال يتأرجح بغموض بين مسارين متناقضين: (1) الوصول إلى نقطة التفاوض نتيجة تقييم الخسائر من قبل إيران وتعديل الأهداف السياسية من قبل واشنطن مكتفية بتدمير مقدرات إيران العسكرية الراهنة؛ (2) تمسك واشنطن وتل أبيب بهدف تغيير النظام، وهو ما سيدفع بالضرورة لتصعيد إقليمي/دولي أوسع وأطول لا تُستبعد فيه العمليات البرية.

ملامح مشهد الحرب خلال أسبوع

● أطلقت الولايات المتحدة و”إسرائيل” عملية الغضب الملحمي (Epic Fury) ضد إيران يوم السبت 28 فبراير/شباط، وتمثلت موجتها الأولى في ضربات منسقة استهدفت تعطيل استمرارية القيادة والسيطرة وإضعاف القدرة على الرد. واتخذت الضربة الافتتاحية طابع “قطع الرأس”، فقد أدت إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلى جانب قيادات عسكرية وأمنية رفيعة، وكشف ذلك منذ اللحظة الأولى أن سقف العملية يتجاوز الاحتواء العسكري إلى إحداث تغيير في بنية النظام.

تُظهر حصيلة الأسبوع الأول أن الضربات تستهدف تقويضا بنيويا واستراتيجيا لكافة قدرات الردع الإيرانية. فهي لم تتوقف عند اغتيال القيادة، بل تشمل الدفاعات الجوية، وشبكات الرادار والمستشعرات، وقواعد ومخازن ومنصات الصواريخ الباليستية، ومقرات أمنية وحكومية، وأصولًا بحرية.

ومع ذلك، فإن مركز الثقل العملياتي الإيراني لم يكن معلقًا فقط بسلامة القيادة العليا، بل بقدرة منظومات الرد الثابتة والمتحركة على الاستمرار والتجدد تحت الضغط. فبرغم نجاح الضربة الافتتاحية تكتيكيًا، لم تنهَر منظومة التحكم والسيطرة، وتمكن الحرس الثوري والجيش الإيراني من إخلاء المجال الجوي ثم تشغيل الدفاعات الجوية والبدء في الرد الشامل بعد نحو ساعة، بما يدل على أن طهران لم تُفاجأ بالحرب بقدر ما دخلتها وهي تملك ترتيبات مسبقة لاستمرار العمليات. 

خلال الأسبوع الماضي، عكس بنك الأهداف الإيراني هذا الاستعداد؛ إذ لم يقتصر الرد على أراضي الاحتلال، بل تركز أولا على قواعد وأصول أمريكية في الخليج، وبدرجة أقل استهدف مرافق ملاحية ومطارات وموانئ وبعض البنى النفطية، بما يشير إلى أن إيران أعدت مسبقًا حزم استهداف موزعة حول التواجد الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، ومنظومة الدعم اللوجيستي لها. وهذا يعني أن الضربة الافتتاحية، رغم رمزيتها السياسية العالية، لم تنجح في شل القدرة الإيرانية على الرد، بل دفعت نحو اختبار فعلي لمرونة البنية اللامركزية التي تسمح باستمرار إطلاق الصواريخ والطائرات غير المأهولة حتى في ظل اضطراب سياسي حاد.

يكشف الأسبوع الأول من الحرب تباين منطقها العملياتي بين الجانبين: فواشنطن وتل أبيب تستغلان تفوقهما الجوي وتدفعان نحو تدمير تدريجي وممنهج لبنية الردع الإيرانية، بينما تراهن طهران على الإغراق والانتشار الجغرافي واستنزاف الدفاعات متعددة الطبقات وإحداث أثر سياسي واقتصادي يتجاوز الأثر العسكري المباشر. كما أن إعطاء إيران وزنًا نسبيًا أعلى لاستهداف منطقة الخليج أكثر من أراضي الاحتلال يعكس استراتيجية تستهدف أولًا إنهاك منظومات الدفاع والإنذار المبكر الأمامية المرتبطة بالحضور الأمريكي، بما يرفع لاحقًا فرص تكثيف الضغط على أراضي الاحتلال. 

معضلة الأهداف الأمريكية

خلال هذا الأسبوع أظهرت الإدارة الأمريكية تخبطا كبيرا في التعبير عن أهدافها من الحرب. فبعد أن تحول التركيز تدريجيا إلى أهداف محددة، هي: منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، وتدمير القدرات الصاروخية والأسطول البحري، ومنع إيران من دعم وكلائها في المنطقة؛ فاجأ الرئيس الأمريكي الجميع بعد مرور أسبوع، أي يوم الجمعة 6 مارس/آذار، بالإعلان أنه لن يرضى بأقل من “استسلام غير مشروط” من جانب إيران، وأن اختيار قيادة إيران الجديدة سيكون مسؤوليته هو. وهذا أحدث وأوسع لأهدافه في هذا الصراع، مما ينذر بحرب أطول بكثير إذا تمسّك بهذا الهدف.

يأتي هذا الارتباك من حقيقة أنه حتى الأهداف التي تبدو محددة لا يمكن ضمان تحقيقها دون تغيير النظام. فقد ألحقت حرب الـ12 يوما أضرارا كبيرة بقدرات إيران وبرنامجها النووي، لكنّ بقاء النظام يعني أن أي أضرار سيجري ترميمها بعد ذلك. وبدون تغيير النظام لا يمكن ضمان أن إيران ستتوقف عن دعم حزب الله أو الحوثيين أو حركة حماس. ولذلك؛ فعلى الرغم من التخبط في التعبير عن أهداف الحرب فإن ثمة منطق يربط بين ما تريده الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” وبين تغيير النظام، وهو ما يجعل هذا الهدف دائم الحضور في الخطابين الأمريكي والإسرائيلي. 

لكن وجود منطق في تمسك ترامب بتغيير النظام لا يعني أنه هدف قريب المنال أو أنه يستند إلى حسابات واقعية. على العكس، من هذه الزاوية تبدو الحملة العسكرية بلا استراتيجية واضحة؛ لأنها تستند إلى رهان هش مفاده أن استمرار استنزاف القدرات الإيرانية واغتيال قيادات النظام سيؤدي في نهاية المطاف إلى إعلان من يتبقى منه الاستسلام على غرار النموذج الفنزويلي. ويتجاهل هذا الرهان بصورة صادمة طبيعة النظام الإيراني وتركيبته المؤسسية والأيديولوجية المعقدة، وتوزيع مراكز الثقل بداخله، فضلا عن قدرته على تحمل استنزاف طويل ومكلف.

ولهذا، فإن تمسك ترامب بهدف تغيير النظام، بدلا من الاكتفاء بإضعافه وتقويض قدراته التي تمثل تهديدا، سيؤدي إلى حرب طويلة، لن تكون العمليات البرية فيها غير مستبعدة فحسب، بل ضرورية. ولهذا، فإن الخطط الخاصة بتسليح المعارضة الإيرانية الكردية تعني أن الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال لا تستبعد العمليات البرية من حساباتها طالما أن هدف تغيير النظام ما زال يسيطر على خيال ترامب ونتنياهو.

إقليم في مرمى النيران: دول الخليج والعراق ولبنان وتركيا ومصر

● لا تتوزع تداعيات الحرب على دول الإقليم بصورة متساوية، بل تختلف بحسب موقع كل دولة من مسرح العمليات، وطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران، ودرجة هشاشتها الداخلية. فبعض الدول تواجه خطر الانزلاق من الحياد الحذر إلى الانخراط العسكري المباشر أو غير المباشر، فيما تبدو دول أخرى معرضة لأن تتحول إلى ساحات ارتداد للحرب عبر الوكلاء المحليين أو عبر التوترات الداخلية، بينما تتحمل أطراف ثالثة كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة. وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج ولبنان والعراق وتركيا ومصر بين أكثر الأطراف عرضة لتداعيات الحرب خلال المدى القريب.

  • دول الخليج العربية:

قد يؤدي استمرار الهجمات الإيرانية على أراضي دول الخليج خلال الأسابيع المقبلة إلى تقويض صيغة “الحياد الخليجي” ودفع دوله، أو بعضها على الأقل، نحو تعاون عسكري أو لوجستي أكثر وضوحًا مع الحملة الأمريكية. فاستهداف أهداف مدنية أو تجارية أو ملاحية داخل الخليج سيدفع القيادات الخليجية إلى الاستنتاج بأن ضبط النفس لم يعد كافيًا لحمايتها، بما قد يفتح المجال تدريجيًا أمام توسيع الوصول العملياتي الأمريكي انطلاقًا من أراضيها، وزيادة استخدام المجال الجوي، وتقديم دعم لوجستي أو دفاعي أوضح. غير أن هذا التحول ستكون له كلفة مقابلة؛ إذ قد يدفع إيران إلى توسيع بنك أهدافها داخل الخليج، والانتقال من استهداف القواعد والأصول العسكرية إلى استهداف أصول اقتصادية أعلى قيمة، مثل المطارات، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والبنية التحتية البحرية، بما يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على الحكومات الخليجية.

ومن المرجح أيضًا أن تتراجع الخلافات البينية، ولا سيما بين السعودية والإمارات، لصالح التركيز على التهديد المشترك وتعزيز التنسيق الأمني والدفاعي الخليجي. كما يُرجح أن تدفع الضربات الإيرانية دول الخليج إلى مزيد من التمسك بالمظلة الأمنية الأمريكية، وهو ما يتعارض مع مصلحة إيران بعيدة المدى، حتى لو قبلت طهران بهذه النتيجة باعتبارها “كلفة مؤجلة” مقابل ضرورات الردع الراهنة. لكن في الأجل الأبعد، قد تفضي تعرية الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، أو تعريض أمن الخليج لارتدادات المواجهة الأمريكية مع إيران، إلى مراجعات داخلية خليجية تتعلق بحدود الركون الحصري إلى الوجود العسكري الأمريكي، ونوعية الضمانات الفعلية التي يوفرها هذا الوجود في لحظة حرب إقليمية مفتوحة. 

كما أن إطالة أمد الحرب قد تزيد مخاطر الاضطرابات داخل بعض المجتمعات الشيعية في الخليج، خاصة إذا انتقلت بعض دوله إلى مشاركة أوضح في الحرب. وستبدو البحرين أكثر حساسية من غيرها بحكم تركيبتها الديمغرافية، كما قد تواجه السعودية والكويت ضغوطًا داخلية متزايدة إذا تصاعد الانطباع بأنهما تنخرطان في حرب تُخاض لصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وهو ما قد يدفع هذه الدول إلى تشديد الإجراءات الأمنية الداخلية بالتوازي مع الانخراط الدفاعي الخارجي.

  • لبنان:

على الرغم من قرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، فإن ذلك لا يرجح أن يحول سريعًا دون التصعيد. بل على العكس، من المرجح بدرجة عالية أن تستغل “إسرائيل” دخول الحزب الحرب لتوسيع حملتها العسكرية ضده، بما يفاقم البيئة الأمنية الداخلية ويؤدي إلى مزيد من التأجيل أو التعطيل للمسارات السياسية، وعلى رأسها الانتخابات المقبلة. وخلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، يُتوقع أن تكثف “إسرائيل” ضرباتها على أهداف الحزب في عموم لبنان، بما في ذلك اغتيال قيادات عليا، وربما التوغل البري التكتيكي أو إعادة احتلال بعض المواقع الحدودية أو الأمامية إذا رأت أن ذلك ضروري لتوسيع الضغط الميداني.

وفي المقابل، من المرجح أن تظل الآثار القريبة المدى لقرار تجريم أنشطة حزب الله محدودة، لأن الدولة اللبنانية، والجيش خصوصًا، ما زالا يواجهان القيود ذاتها المتعلقة بمحدودية الموارد المالية والقدرات المادية، بما يحد من فعالية أي محاولة جادة لنزع سلاح الحزب في المستقبل المنظور. وهذا يمنح نتنياهو مبررًا إضافيًا لمواصلة استهداف الحزب تحت دعوى أن الدولة اللبنانية غير قادرة على ضبطه بنفسها. لكن الضغوط المتزايدة على الحكومة والجيش قد تدفعهما إلى اتخاذ خطوات أكثر حدة ضد حزب الله أو حماس داخل لبنان، لتجنب قصف أوسع للبنية التحتية المدنية، وهو ما يزيد بدوره احتمالات الاحتكاك بين الجيش ومجموعات تابعة للحزب، ويفاقم التوتر الطائفي والاجتماعي، خاصة مع احتمالات تجدد النزوح الشيعي نحو مناطق أخرى.

  • العراق:

من المرجح أن تؤدي الحرب إلى مزيد من التأخير في تشكيل الحكومة العراقية، بما يطيل أمد الجمود السياسي ويجعل الفاعلين المرتبطين بإيران أكثر ميلًا إلى انتظار نتائج الحرب قبل إعادة ضبط تموضعهم الداخلي في مواجهة الضغوط الأمريكية. ومع اتساع مشاركة فصائل الحشد الشعبي والمجموعات الشيعية الموالية لإيران، فإن انتقال المواجهة إلى الساحة العراقية يبدو احتمالًا قائمًا، لا سيما إذا قررت واشنطن أو “إسرائيل” توسيع استهداف هذه الفصائل ردًا على هجماتها أو على استخدامها الأراضي العراقية منصة دعم لوجستي وعملياتي لإيران.

⊙ وفي الوقت نفسه، فإن سعي واشنطن إلى توثيق التعاون مع قيادات إقليم كردستان العراق يشير إلى أن الحرب لا تجر العراق إلى الاستقطاب الإقليمي فحسب، بل قد تسرّع أيضًا احتكاكات داخلية بين أطراف عراقية متنافسة. فاحتمال المضي في تسليح المعارضة الكردية الإيرانية انطلاقًا من شمال العراق قد يدفع طهران إلى توسيع هجماتها داخل الإقليم، أو إلى الدفع بميليشيات شيعية أو وحدات من الحرس الثوري لتنفيذ عمليات استباقية على الحدود أو داخل العمق الحدودي.

  • تركيا:

لا تريد أنقرة حربًا أخرى على عتبة حدودها، وعلى الأرجح ستسعى، عبر قنواتها مع إدارة ترامب وبعض الأطراف داخل النظام الإيراني، إلى المساعدة في بلورة مخرج يوقف التصعيد أو يمنع توسعه. فتركيا لا تخشى فقط التداعيات المباشرة للحرب من حيث التجارة والطاقة واللاجئين، بل تخشى على نحو أعمق اليوم التالي لها، أي احتمال أن يفضي استنزاف إيران أو تفككها الجزئي إلى اضطراب ممتد يفتح المجال أمام موجات لجوء وترتيبات حدودية وأمنية جديدة على تماس مباشر مع المجال التركي. ويتصل هذا القلق أيضًا بإمكانية أن يوفر الاضطراب داخل إيران بيئة مواتية لنشوء حكم ذاتي كردي أو منطقة نفوذ كردية متصلة بحزب العمال الكردستاني، بما قد ينعكس سلبًا على مسار المصالحة الداخلية التركية مع الأكراد ويعيد إنتاج التهديد الكردي في صورة إقليمية أوسع.

⊙ وفي الوقت ذاته، لا تبدو تركيا مقتنعة بأن تغيير النظام في إيران هدف واقعي قريب التحقق، لكن اعتراضها الأعمق ليس فقط على واقعية هذا الهدف، بل على مآلاته الجيوسياسية. فأنقرة قد تفضل إيران التي تعرفها، حتى بخصوماتها وتناقضاتها، على نظام ما بعد الحرب إذا جرى تشكيله بصورة أكثر حسماً على يد “إسرائيل” والولايات المتحدة. ومن هذه الزاوية، تنظر تركيا إلى الحرب بوصفها جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تنظيم الشرق الأوسط حول التفوق العسكري الإسرائيلي، وهو مسار يتصادم حتمًا مع طموح أنقرة إلى لعب دور مستقل وموازن في الإقليم.

  • مصر:

من المرجح أن تواجه مصر تداعيات اقتصادية متزايدة كلما طال أمد الحرب، سواء عبر ارتفاع فاتورة الطاقة، أو الضغط على موارد النقد الأجنبي، أو تزايد احتمالات اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي، أو انعكاسات التوتر الإقليمي على حركة الاستثمار وتدفقات رؤوس الأموال. فالحرب قد تدفع إلى تباطؤ الاستثمارات الخليجية أو إعادة ترتيب أولوياتها. كما أن احتمال دخول الحوثيين على خط المواجهة من جديد، أو اتساع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، يهدد عوائد قناة السويس ويضيف مصدر ضغط آخر على الاقتصاد المصري.

قد تدفع هذه الضغوط القاهرة أيضًا إلى تفعيل دور أمني وعسكري أكبر في محيطها الخليجي، سواء عبر دعم مباشر للدفاع عن أراضي الخليج أو عبر ترتيبات أقل ظهورًا، وذلك لإثبات التزامها بأمن شركائها الخليجيين وتعزيز قيمتها كشريك إقليمي موثوق. وقد ترى القاهرة في هذا الدور وسيلة للموازنة بين الضغوط الاقتصادية المتزايدة وبين الحاجة إلى ضمان استمرار المساندة الخليجية والغربية. وفي الوقت نفسه، قد يستفيد النظام المصري من التوتر الإقليمي لتجديد التأكيد على حيوية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، بما يشجع هذه الأطراف على الاستثمار في بقاء الوضع المصري مستقرًا في لحظة إقليمية مضطربة.

الاقتصاد العالمي: الحرب قد تعيد رسم جغرافيا التجارة الدولية

⦾ أدى إعلان إغلاق مضيق هرمز إلى “حصارٍ تأميني” على حركة الملاحة؛ حيث أعادت شركات التأمين على الملاحة تصنيف الخليج كمنطقة مخاطر حرب قصوى، وجرى سحب تغطيات مخاطر الحرب أو رفع أقساطها بشدة مما أبطأ الحركة وأعاد توجيه الحركة عبر رأس الرجاء الصالح. وتعتمد دول آسيا الصناعية وأوروبا على نفط وغاز الشرق الأوسط، وإن كان أغلبها – باستثناء الهند – لديه مخزون نفط كبير. كما تمتد التداعيات إلى الأسمدة وسلاسل الإمداد الصناعية (حيث يمر جزء كبير من صادرات الأسمدة عبر هرمز). وسيكون من المرجح كي تحتوي الولايات المتحدة التداعيات المتعلقة بسوق النفط والغاز أن نشهد تراجعا ولو مؤقتا على تقييد مبيعات الطاقة الروسية للهند وأوروبا.

ومع احتمال تفاقم الوضع باضطرابات إضافية في البحر الأحمر، فقد تتحول التأثيرات كلما طال أمد الحرب من صدمة أسعار وتوقيتات تسليم إلى أزمة هيكلية في جغرافيا التجارة ستضغط على اقتصادات دول صناعية كبرى في آسيا وأوروبا. تظل هذه الآثار مرتبطة بالمخاطر، ولكنّها ستتضاعف حال قررت إيران استهداف البنية التحتية للنفط والغاز في المنطقة، وهو ما تجنبته حتى الآن، لأن ذلك سيلحق أضرارا طويلة الأمد بالسوق، كما أنه سيدفع دول الخليج للانخراط في الحرب بصورة صريحة، ويقوض علاقة إيران بجيرانها (خاصة السعودية وقطر).

سيناريوهات مستقبل الحرب تتأرجح بين التصعيد والاحتواء

من المرجح أن تخرج إيران من الحرب أكثر إنهاكًا، مع خسائر استراتيجية تصيب قدراتها العسكرية واقتصادها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نجاح الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تحقيق أهدافهما السياسية. فحتى الأهداف الدنيا، مثل كبح الطموح النووي الإيراني، وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، وتقليص دعم طهران لوكلائها، تظل صعبة الضمان إذا بقي النظام الحالي في السلطة، فضلًا عن أن الأهداف القصوى، المرتبطة عمليًا بإعادة تشكيل موقع إيران الإقليمي وطبيعة نظامها السياسي، تبدو أكثر تعقيدًا وبعدًا عن التحقق. وفي المقابل، ورغم التماسك الذي تظهره إيران، فإن كلفة الحرب عليها تبدو أعلى بكثير من كلفتها على أعدائها، ما يفسر سعيها إلى توسيع الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي بأسرع ما يمكن، لا بهدف إطالة الحرب بقدر ما هو دفع واشنطن إلى مراجعة سقف أهدافها وإنهاء المواجهة قبل أن تتحول إلى استنزاف وجودي.

وفي الوقت نفسه، فإن إطالة أمد الحرب لا ترفع فقط كلفة المواجهة على إيران، بل تزيد أيضًا من احتمالات الاضطراب الإقليمي. فكلما طال الصراع، ازدادت فرص انخراط حلفاء طهران بصورة أوسع، بما يفتح الباب أمام ردود أمريكية و”إسرائيلية” أشد في لبنان والعراق وسوريا، ويضع فاعلين محليين مثل حزب الله والفصائل العراقية أمام بيئات داخلية أكثر عدائية وتوترا.

ما زالت بيئة الحرب تتسم بـ”ضباب” معلوماتي شديد وبسرعة تغير الوقائع الميدانية والسياسية، كما أن كثيرًا من المعطيات المتداولة قد يكون متناقضًا أو غير مكتمل أو قابلًا للتغير خلال ساعات. ويؤدي تداخل الأهداف العسكرية مع السقوف السياسية (خصوصًا هدف تغيير النظام) إلى مسار تصعيد غير خطّي. فقد تقود التطورات نفسها إلى تهدئة سريعة أو إلى توسيع الصراع. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي إغلاق مضيق هرمز وتعطيل امدادات النفط والغاز إلى ضغوط أوروبية وصينية على الولايات المتحدة لإنهاء الحملة العسكرية، لكنه قد يؤدي على العكس إلى انخراط متزايد لدول أوروبية لدعم العمل العسكري بهدف معاقبة إيران ومنعها من تكرار هذا السلوك مستقبلا.

لذلك، تمثل النقاط الآتية أبرز المؤشرات التي ينبغي مراقبتها في الأسابيع القليلة القادمة، والتي ستحدد بصورة متزايدة اتجاهات الحرب خلال المدى القصير والمتوسط.

  1. وضع القيادة الإيرانية والخلافة: حقيقة وضع القيادة الإيرانية، وإلى أي مدى ستنجح خطط الخلافة في المناصب الأساسية في ضمان كفاءة منظومة التحكم والسيطرة وإدارة الحرب والسياسة، وضمان بقاء النظام موحدا ومتماسكا، خصوصًا مع بقاء احتمالية تكرار الاستهداف للقيادات الجديدة مرتفعة.
  2. قرار إيران الاستراتيجي (واسع أم محسوب): هل تذهب طهران إلى خيارات الردع النهائي (تعطيل هرمز/استهداف البنية التحتية للطاقة والملاحة/إدخال حزب الله بقوة)، أم تُبقي التصعيد دون عتبة تستجلب ضربات أشد وتترك مخرجا للتهدئة.
  3. حجم الضرر الفعلي للطرفين: حجم الضرر الفعلي للقدرات الإيرانية والأصول الأمريكية والإسرائيلية. ما زال الغموض مرتفعًا حول ما الذي دُمّر فعلًا، وماذا يمكن إصلاحه سريعًا، وما مستوى المخزون الإيراني القابل للاستخدام من الصواريخ والمسيرات، ومدى تدهور الدفاع الجوي—المتضرر أصلًا—بما يسمح بتوسيع الحملة، وحجم الخسائر في الأصول الأمريكية والإسرائيلية، وتوفر مخزونات الذخائر واستدامتها.
  4. الدعم السياسي للحرب داخل أمريكا: تماسك الجبهة الداخلية الداعمة لترامب —بما في ذلك من قاعدة “ماغا”—قد يفرض سقفًا زمنيًا خصوصًا إذا ارتفعت الخسائر أو تحولت الحملة إلى حرب استنزاف بلا أفق واضح. لكن من جهة أخرى فإن رموز الإدارة الأمريكية وصقور الجمهوريين يميلون أيضا لإظهار سطوة القوة الأمريكية والتأكيد أنها غير قابلة للتحدي أو التراجع، وهو ما قد يخلق اتجاها لتصعيد العمل العسكري من أجل الحسم وتأكيد القوة. لذلك، لا يجب التسليم بأن الاعتبار هنا هو فقط ميل ترامب إلى تجنب حرب طويلة وممتدة في الشرق الأوسط.
  5. قدرة “إسرائيل” على تحمّل الاستنزاف الداخلي: قدرة “إسرائيل” على تحمّل رشقات صاروخية متكررة في ظل فجوات الحماية المدنية وعدم تجانس جاهزية الملاجئ، مقابل حالة التعبئة التي ترجح استعدادًا لتحمل ضغوط وخسائر معتبرة. وترجح المؤشرات منذ عملية طوفان الأقصى أن الرأي العام الإسرائيلي داعم بقوة للنهج العسكري في التعامل مع التهديدات التي تحيط بالكيان، ومستعد لتحمل تكلفة ذلك، كما أن خيارات نتنياهو وحكومته واضحة إزاء ضرورة تشكيل المنطقة بإنهاء مصادر التهديد التي تمثلها إيران وحلفاؤها.
  • في ضوء ذلك، فإن المشهد يتجه إلى واحدة من هذه السيناريوهات، أو مزيج من بعضها:
  1. حملة جوية تستمر لأسابيع دون عتبة تغيير النظام: تركز على الصواريخ والدفاعات والقيادة، يقابلها رشقات إيرانية تستهدف “إسرائيل” ونقاط الارتكاز الأمريكية/الإقليمية. يتضمن ذلك تراجعا عمليا عن هدف إسقاط النظام والاكتفاء بإضعاف القدرات وفرض شروط/قيود، مع خطاب “نصر” يبرر الخروج. وقد يلجأ ترامب فجأة – لتجنب استنزاف طويل في المنطقة – إلى فرض وقف للحرب والإعلان من طرف واحد عن تحقيق أهدافه ونجاح الحملة، دون أن يتفاوض مع إيران أو يقنع نتنياهو بهذه الخطوة.
  2. تثبيت حرب إقليمية أوسع: إذا تمسكت واشنطن بهدف تغيير النظام، فإن إيران سوف تمضي في كافة الإجراءات التصعيدية، مثل غلق مضيق هرمز وباب المندب وتعطيل إمدادات الطاقة، مع انخراط شامل لوكلاء إيران، وامتداد الضربات إلى أصول اقتصادية/ملاحية. ومن ثم تغطي الحرب جغرافيا إيران ودول الخليج واليمن ولبنان والعراق.
  3. تورط دول جديدة في الصراع: مع استمرار القصف وتزايد الخسائر في بعض دول الخليج، قد تقرر بعض دول الخليج الانتقال لمرحلة معلنة من المشاركة العسكرية للدفاع عن أراضيها. وهو ما قد يدفع حلفاء (مثل باكستان وتركيا ومصر) لتقديم دعم عسكري للمساهمة في حماية هذه الدول. كما أن بعض الدول الأوروبية (فرنسا/بريطانيا/ألمانيا) قد تقرر معاقبة إيران بسبب تعطيل الغاز والنفط، أو بسبب مهاجمة دول الخليج. ومع هذا، لا يمكن تجاهل حساسية مشاركة باكستان بصورة خاصة (وتركيا أيضا بنسبة أقل) نظرا لرفض الرأي العام المحلي لاصطفاف الحكومة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
  4. التوصل لتهدئة/تسوية: قد تُفتح نافذة وساطة خاصة وأن الأطراف الإقليمية ما زالت معنية باحتواء التصعيد. ولا يعتبر التوصل لتهدئة سيناريو قائما بذاته، وإنما سيكون على الأرجح تاليا لأي من السيناريوهات السابقة، وناتجا إما عن اقتناع ترامب بالتخلي عن هدف تغيير النظام وأن خسائر إيران تكفي. 
  5. انهيار النظام واستبداله بقيادة أكثر تشددًا: قد يؤدي طول الاستهداف وتواصل اغتيال القيادات وبدء خروج مناطق انفصالية عن السيطرة إلى تحرك من داخل النظام الإيراني للسيطرة على الوضع، مع استعداد أكثر للتفاوض مع واشنطن. لكن أيضا قد يحل محل النظام قادة أكثر تشددا وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات، خاصة وأن الحرس الثوري يظل بديلا محتملا يمكنه السيطرة على الحكم.
  6. انهيار النظام وفوضى ممتدة داخلية وإقليمية: قد يفتح انهيار النظام وتدهور الحكم المركزي بابًا لصراع ممتد وعدم استقرار سياسي وأمني يصعب احتواؤه داخل حدود إيران.
  7. تطور الحرب إلى عملية برية واسعة: نتيجة تمسك الولايات المتحدة بهدف إسقاط النظام، ونجاح إيران في إلحاق ضرر كبير بالقوات الأمريكية (عدد كبير من الضحايا أو تدمير أصول استراتيجية مثل القطع البحرية).

أي إن الحرب تتجه أكثر – على الأقل في الأجل القصير (أيام أو أسابيع قليلة) إلى مزيد من التصعيد، مع احتمالية مرتفعة لتدخل دول أخرى بمستويات متفاوتة كلما طالت المدة، إما للدفاع عن أراضيها (دول خليجية) أو للدفاع عن حلفائها ومعاقبة إيران (تركيا/باكستان/مصر/دول أوروبية). لكنّ مآل هذا التصعيد ما زال يتأرجح بغموض بين مسارين متناقضين: (1) الوصول إلى نقطة التفاوض نتيجة تقييم الخسائر من قبل إيران وتعديل الأهداف السياسية من قبل واشنطن مكتفية بتدمير مقدرات إيران العسكرية الراهنة؛ (2) تمسك واشنطن وتل أبيب بهدف تغيير النظام، وهو ما سيدفع بالضرورة لتصعيد إقليمي/دولي أوسع وأطول لا تُستبعد فيه العمليات البرية.

في المحصلة، لا تبدو الحرب متجهة في المدى القريب إلى نهاية سريعة، بقدر ما تبدو متجهة إلى اتساع تدريجي في الكلفة والمجال والفاعلين المنخرطين فيها. فالتفوق العسكري الأمريكي و”الإسرائيلي” يمنحهما قدرة كبيرة على إضعاف إيران، لكنه لا يوفر بذاته طريقًا واضحًا إلى حسم سياسي، خصوصًا مع بقاء هدف تغيير النظام حاضرًا. وفي المقابل، لا تملك طهران على الأرجح القدرة على قلب موازين الحرب، لكنها لا تزال قادرة على تعطيل الحسم، ورفع الكلفة الإقليمية. لذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في استمرار الحرب فحسب، بل في أن تتحول إلى مسار إقليمي مفتوح، تتراجع فيه إمكانية الضبط السياسي وتتزايد فيه مظاهر الانفلات العسكري.