اتفاق الهند – أوروبا: “أم الصفقات” تدشن عصر التعديد القطبية التجارية 
سياقات - فبراير 2026

الخبر

وقعت الهند والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء 27 يناير 2026، اتفاقية تجارة حرة شاملة، بعد ما يقرب من عقدين من المفاوضات بين الطرفين، ما ينشئ سوقًا تضم ملياري شخص. وأشاد رئيس الوزراء الهندي قائلًا إنها “الاتفاقية الأهم”، مشيرًا إلى أنها تغطي ما يقرب من 25% من الناتج العالمي الإجمالي، وثلث التجارة العالمية. فيما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية: إن أوروبا والهند “تصنع اليوم التاريخ”. وإضافةً للاتفاق التجاري، وقّع الطرفان اتفاق الشراكة الدفاعية والأمنية المتكاملة، وصرحت كايا كالاس، مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أن مناقشة نقاط الاتفاق ستبدأ الشهر المقبل. تتضمن الاتفاقية إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على 96.6% من السلع، أبرزها الأدوية، والحديد والصلب، والمواد الكيميائية والبلاستيك ومنتجات غذائية، وخفضًا تدريجيًا للرسوم على السيارات من 110% إلى 10% خلال خمس سنوات، فيما توقعت فون دير لاين مضاعفة صادرات الاتحاد إلى الهند بحلول عام 2032.

التحليل: الاتحاد الأوروبي والهند… مناورة استراتيجية بين مطرقة واشنطن وسندان بكين

  • يمثل الاتفاق خطوة أساسية في جهود الجانبين طويلة الأجل لتأسيس سلاسل توريد بعيدة عن هيمنة الصين التجارية، وتنويع الشراكات في مجالات التصنيع الدفاعي والتقنيات المتقدمة. وعلى الرغم من أن هذا المسعى لا ينفصل عن الخطط الأمريكية الدولية لاحتواء النفوذ الصيني وإدماج الهند في سلاسل التوريد الغربية عبر مشروع الممر الاقتصادي (IMEC)، فإن الاتفاقية في أحد جوانبها تخدم مساعي الاتحاد الأوروبي لفتح أسواق جديدة في ظل تقلب العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، وتمهد لتعددية قطبية تجارية بعيدا عن هيمنة أمريكية أو ثنائية حصرية بينها وبين الصين.
  • تعزز هذه الاتفاقية من توجه الهند غربًا وأوروبا جنوبًا، إذ تأتي في سياق اتفاقات عدة أبرمتها أو تتفاوض حولها أوروبا مع إندونيسيا، وتجمع ميركوسور، وجنوب أفريقيا، ودول خليجية، بينما أبرمت الهند 7 اتفاقيات تجارية واقتصادية في أربع سنوات مع دول غربية أو مرتبطة بالمعسكر الغربي، أحدثها مع المملكة المتحدة ونيوزيلندا والإمارات.
  • ينظر الجانبان للاتفاقية باعتبارها ضرورة جيوسياسية. فمن جهة تتعرض أوروبا لضغوط واسعة، تمثل في تهديد أمني روسي، وإدارة أمريكية تتبع سياسات مقلقة تنذر بتراجع الشراكة التاريخية عبر الأطلسي، وأخيرا نفوذ صيني واسع على سلاسل التوريد قد يؤدي إلى خنق الصناعة الأوروبية. وتسعى أوروبا لإيجاد أسواق بديلة تعوضها جزئيًا عن السوق الأمريكي، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين، وإقامة شراكات تساعدها في تطوير صناعاتها الدفاعية، وصولا إلى ترسيخ مجمع صناعي عسكري خاص للحد من الاعتماد على واشنطن.
  • أما الهند؛ فتوقع الاتفاقية انطلاقًا من بيئة استراتيجية “أقل تهديدًا في الأجل القصير، إذ تدير علاقاتها بالصين في أطر مستقرة حاليًا لكن ضمن تنافس متصاعد  دوليا وإقليميا، ووقعت مؤخرا شراكة دفاعية مع واشنطن رغم الرسوم الجمركية. وتراهن الهند على الاقتراب من الكتلة الغربية لموازنة الجار الصيني، وتعزيز مكانتها في سلاسل التوريد العالمية وجذب رأس المال الأوروبي وتوطين التقنية. كما أن الهند بحاجة للتقنيات الأوروبية العسكرية لتحديث جيشها كي تواكب التحديث السريع لجيش التحرير الشعبي الصيني.
  • بالنسبة للولايات المتحدة، يظهر الاتفاق تحولا تجاريا دوليا قيد التشكل، سيفضي إلى تأسيس تعددية قطبية تجارية، مما يزيد من قدرة الاتحاد الأوروبي على التفاوض مع واشنطن ويقلل في المستقبل من أثر سلاح زيادة الرسوم الجمركية الذي توسعت فيه واشنطن ضد حلفائها. وتعكس تعليقات أمريكية رسمية أن الاتفاق مؤشر جديد على تراجع الشراكة عبر الأطلسي وتزايد رصيد عدم الثقة بين الجانبين. في الأجل القصير سيكون الاتفاق محل متابعة من قبل واشنطن، خاصة وأن الجدول الزمني لتطبيقه ليس فوريا، وقد تمارس واشنطن بعض الضغوط على الاتحاد من أجل مزيد من تنسيق السياسات التجارية الدولية.
  • بالنسبة للصين؛ من المرجح أن تسعى هي الأخرى لاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تقلل بها من أثر الاتفاقية الهندية – الأوروبية على نفوذها التجاري الدولي، وتزيد أوروبا بُعدًا عن واشنطن، مع بقاء القلق والترقب لما ستسفر عنه الاتفاقية الدفاعية والأمنية بين الاتحاد والهند.
  • أما روسيا؛ فإن الاتفاقية تعني تراجع أهمية السوق الروسي لدى المصنعين الأوروبيين، ما يزيد من قدرة الحكومات الأوروبية على مواصلة العقوبات ضد روسيا، وهو التوجه الذي كانت أحدث مؤشراته، قبل أيام، بموافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، نهائياً على خطة للتخلص من جميع واردات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2027. كما أن احتمالات الاتفاق الدفاعي بين أوروبا والهند تقلق روسيا بشدة، إذ تعد الهند أحد أقرب شركائها وأكبر مُشغل للسلاح الروسي في العالم، ولا شك أن تنامي العلاقات الدفاعية بين نيودلهي وكل من واشنطن وبروكسل يهدد بتراجع الشراكة الدفاعية الهندية الروسية.
  • في منطقة الشرق؛ تعني اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي الكثير. فقد بات مشروع الربط التجاري بين الجانبين عبر المنطقة ضرورة لتحقيق هذه الشراكة بصورة فعّالة، ومن ثم بات الاستثمار في البنية التحتية اللازمة لذلك ذي جدوى. قد يعطي ذلك دفعة لمشروع الممر الاقتصادي (IMEC) الذي تقع في القلب منه الإمارات والسعودية، كما أنه يزيد من أهمية كافة مرافق النقل البري والبحري في المنطقة، بما يشمل حتى الدول التي لا ترتبط مباشرة بمشروع الممر، مثل تركيا ومصر. إذ سيتطلب الحجم المتوقع على المدى البعيد لتدفق البضائع بين الهند وأوروبا تشغيل كافة مرافق النقل البري والبحري، وهو ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية في المنطقة أولوية مستمرة لدولها.