الحدث
أصدرت وزارة الحرب الأمريكية في 23 يناير/ كانون الثاني “استراتيجية الدفاع الوطني 2026“، والتي صدرت بعد شهر واحد من إصدار إدارة ترامب لوثيقة الأمن القومي. وتحدد “استراتيجية الدفاع الوطني” أولويات التهديدات، وما الذي يجب احتواؤه أو تفويضه للحلفاء. ومن ثم تُشتق منها خطط التسلح والتحديث، وتوزيع القوات والانتشار الخارجي، وميزانيات الدفاع، وأولويات البحث والتطوير والاستثمار العسكري. وتشدد الاستراتيجية على أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية تعد مكونا حاسمًا لأي استراتيجية ردع طويلة الأمد، ولذلك، تُربط السياسة الدفاعية بإعادة توطين الصناعة، وتأمين سلاسل الإمداد، والسيطرة على الموارد الحيوية، بما يجعل البعد الاقتصادي غير منفصل عن التخطيط العسكري.
التحليل: استراتيجية الدفاع الأمريكية تركز على ردع الصين ونقل الأعباء للحلفاء

- تشدد الاستراتيجية على انتقال الولايات المتحدة من نموذج الانخراط العالمي إلى نموذج انتقائي يُعرّف المصلحة الوطنية الأمريكية في نطاق ضيق، كتصحيح لمسار أدى إلى استنزاف القوة الأمريكية في حروب مطولة لا تمثل أولوية للمصالح الوطنية. ومن ثم تؤكد الابتعاد عن أي حروب تهدف للحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد، أو تغيير الأنظمة، أو بناء الدول.
- بحسب الاستراتيجية، ستعمل واشنطن على إعادة صياغة العلاقة مع الحلفاء على أساس نقل الأعباء، والتعامل معهم كشركاء لا كتابعين، فالموارد الأمريكية ستُوجَّه أولًا للدفاع عن الداخل الأمريكي وردع الصين، وما يتبقى سيُستخدم لدعم حاسم لكن محدود في الساحات الأخرى، مع اشتراط قدرة الحلفاء على تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنهم، وبمدى مساهمتهم المادية والعسكرية في الردع الإقليمي.
- تعطي الاستراتيجية الأولوية للدفاع عن الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي، بما يشمل بناء القبة الذهبية للدفاع الصاروخي، والوصول إلى جرينلاند وقناة بنما، وقضايا الهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات، والنفوذ الاقتصادي والسياسي للقوى المنافسة في أمريكا اللاتينية. ويشير إدراج هذه الملفات ضمن مهام وزارة الحرب إلى توسيع تعريف التهديد الأمني، واستعداد إدارة ترامب لاستخدام أدوات عسكرية لمعالجة قضايا ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وهو ما تجلى عمليا في استهداف السفن والزوارق في البحر الكاريبي قرب سواحل فنزويلا.
- تنظر الاستراتيجية إلى الصين باعتبارها القوة الثانية عالميا، وتضع منع الهيمنة الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ كهدف رئيسي، بما يتطلب منع بكين من بناء دفاع قوي على سلسلة الجزر الأولى القريبة من سواحلها، والتي تشكل قوسا يمتد من جنوب اليابان ثم تايوان والفلبين، وحتى شمال بحر الصين الجنوبي. وهذا يعني أن حجم القوات الأمريكية، ونوعية التسليح، وسرعة الانتشار، وأولويات التحديث، كلها ستُبنى انطلاقًا من افتراض صراع محتمل عالي الكلفة في هذه المنطقة.
- في ظل افتراض أن موسكو لا تملك قدرات الهيمنة على أوروبا، تعكس الاستراتيجية استعداد الولايات المتحدة لتقليص التزامها تجاه أوروبا، حتى وإن ترتب على ذلك تآكل التحالف الأطلسي، مما يزيد تمسّك دول أوروبية بتطوير مسارات أكثر استقلالًا وتحوطًا، تعزيزا لقدراتها العسكرية تعتبر إدارة ترامب أن الخطر الروسي يمثل أولوية أوروبية، وأن إنهاء الحرب في أوكرانيا مسؤولية أوروبا، مع ربط الالتزام الأمريكي تجاه أوروبا بمستوى التزام أعضاء الناتو برفع الإنفاق العسكري ليعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
- يظل الشرق الأوسط ضمن مناطق اهتمام واشنطن، لكن باعتباره ساحة ليست ذات أولوية. وتؤكد الاستراتيجية الالتزام بأمن “إسرائيل” باعتبارها “الحليف المثالي”، وحجر الزاوية في الترتيبات الإقليمية التي ترتبط بتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية وردع إيران الذي أصبح نظامها أضعف مما كان عليه منذ عقود.
نظرة نقدية لاستراتيجية الدفاع الوطني 2026
- أولا: لا يعني الاتجاه إلى تحميل المسؤولية للحلفاء والتركيز على نصف العالم الغربي، أن إدارة ترامب بصدد التخلي عن نفوذ الولايات المتحدة العالمي، أو أنها لن تلجأ إلى العمليات العسكرية أو حتى شن الحروب. فقد أثبت ترامب خلال العام الماضي أنه يعني بـ”إنهاء الحروب” سرعة حسم الصراعات من خلال استخدام أكبر قدر من القوة بما يكفي لفرض شروط قسرية على الطرف الآخر. ومن ثم، فإن ممارسة ضغوط عسكرية على إيران أو حزب الله أو في غزة أو كوبا أو فنزويلا، وربما غرينلاند، ستظل خيارات محتملة من أجل إخضاع الطرف الآخر وإجباره على القبول بـ”شروط السلام” الذي يريده ترامب.
- ثانيا: التناقض الرئيسي في هذه الاستراتيجية هو أنها لا توازن بين التخلي عن المسؤولية والتخلي عن النفوذ. فإذا كانت الولايات المتحدة جادة في تفويض مسؤولياتها للحلفاء فإن ذلك سيؤدي تدريجيا إلى زيادة نفوذ هؤلاء الحلفاء في مناطقهم بصورة قد تهدد المصالح الأمريكية، فضلا عن خلق مساحات فراغ من المرجح أن تستفيد منها القوى المتوسطة، أو حتى منافسي واشنطن الدوليين مثل الصين.
ولذلك؛ فرغم سعي ترامب للتخلي عن مسؤولياته تجاه منطقة الشرق والتركيز على الصين ونصف العالم الغربي، فقد شنت قواته عمليتين عسكريتين في المنطقة خلال أقل من عام (في اليمن وفي إيران)، فضلا عن التواجد الكثيف للقوات والأصول العسكرية الأمريكية لمنع التهديدات. وخلال نفسه المهلة، عززت واشنطن علاقاتها العسكرية مع كل من قطر والسعودية لتعزيز الشراكة الثنائية عموما. أي أن مصلحة واشنطن في بناء شراكات استراتيجية مع حلفاء لاعتبارات اقتصادية يقابلها ضرورة أن تقدم لهم التزامات أمنية أعلى، وهو ما يحد من مستوى الانسحاب الأمريكي من مناطق لا تضعها واشنطن ذات أولوية.
- ثالثا: تقوم استراتيجية الدفاع الوطني على افتراض أن الولايات المتحدة قادرة على تقليص التزاماتها العالمية دون أن يؤدي ذلك إلى فراغات يصعب التحكم بها. ويتجاهل هذا الافتراض أن العديد من مناطق التوتر التي تُصنّف بوصفها ثانوية قد تتحول بسرعة إلى ساحات استنزاف إذا انهارت التوازنات الإقليمية فيها، خاصة في ظل ضعف قدرة بعض حلفاء واشنطن على تحمل الأعباء المطلوبة منهم في السنوات القليلة القادمة على الأقل.
- رابعا: تكرّس الإستراتيجية نهج عسكرة بعض القضايا غير العسكرية، مثل الهجرة والمخدرات والنفوذ الاقتصادي، وستؤدي إلى تحسين السيطرة والردع. غير أن هذا التوجه ينطوي على مخاطر واضحة، إذ يُحمّل المؤسسة العسكرية مهام لا تملك الأدوات المثلى لمعالجتها.
- خامسا: تبرز في الوثيقة مفارقة واضحة بين رفض مفهوم “الهيمنة العالمية” من جهة، وتوسيع مفهوم النفوذ في نصف الكرة الغربي من جهة أخرى. هذا التناقض يُضعف الحجة الأمريكية ضد منطق مناطق النفوذ حين تمارسه قوى أخرى، ويُعرّض الخطاب الأمريكي لمزيد من التشكيك لدى الشركاء والخصوم على حد سواء.
- سادسا: تفتقر الاستراتيجية إلى تقديم إطار إيجابي طويل الأمد يمكن أن يشكل حافزًا للحلفاء للاستمرار في الاصطفاف مع الولايات المتحدة. فهي تُحدد ما لن تفعله واشنطن، وما تتوقعه من الآخرين، لكنها لا تُقدّم تصورًا متماسكًا لشكل النظام الدولي الذي تسعى إليه، وهو ما قد يدفع دولا كثيرة إلى تبني سياسات تحوّطية تقوم على تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.