دمشق تقترب من الاتفاق مع تل أبيب.. لكن التناقضات الاستراتيجية تهدد استقرار المشهد
سياقات - أغسطس 2025

الخبر:

قالت وكالة الأنباء السورية “سانا” إن لقاءً جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بوفد إسرائيلي في العاصمة الفرنسية باريس، يوم الثلاثاء 19 أغسطس/آب، وقد تركزت النقاشات على قضايا خفض التصعيد، وعدم التدخل في الشأن السوري الداخلي، والتوصل إلى تفاهمات تدعم الاستقرار بالمنطقة، بالإضافة إلى مراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء. جاء هذا بعد أن وقّعت أنقرة ودمشق، يوم الأربعاء 13 أغسطس/آب، مذكرة تفاهم عسكرية، تشمل التبادل المنتظم للأفراد العسكريين للمشاركة في دورات تدريبية متخصصة، وإرسال خبراء مختصين لدعم عملية تحديث الأنظمة العسكرية، والهياكل التنظيمية، وقدرات القيادة.

التحليل: أولويات إسرائيل في سوريا بين تفاهمات الضرورة وحدود الصدام مع تركيا

تتمثل الأولويات الإسرائيلية في سوريا في: ضمان بقاء الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، وإبعاد الجيش السوري الجديد عن أي تواجد فيها، واقتصار التواجد الأمني في المنطقة على قوات الأمن السوري محدودة العدد والسلاح. بالإضافة إلى التزام النظام السوري بمنع أي تواجد فلسطيني سياسي أو عسكري في سوريا، والتنسيق الأمني المشترك ضد الأنشطة الإيرانية المحتملة.

وعلى الرغم من تقييم “إسرائيل” لاستقرار الحكومة السورية الجديدة باعتباره تهديدا أمنيا طويل المدى، إلا أن القيود التي تواجهها “إسرائيل” قد تدفعها للقبول بتفاهمات أمنية مع دمشق والتخلي عن خطط إسقاط النظام الجديد. وتتمثل هذه القيود بصورة خاصة في الموقف الأمريكي والغربي تجاه النظام السوري والدعم الإقليمي التركي والسعودي للنظام السوري بقيادة أحمد الشرع. لكن ما زال من غير المرجح أن يتطور هذا التفاهم إلى اتفاق تطبيع كامل، على غرار اتفاقيات أبراهام، في المدى القريب، كما أنه لن يشمل على الأرجح انسحاب “إسرائيل” من المناطق الحيوية التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد. 

وفي هذا السيناريو، لن تتخلى “إسرائيل” عن رؤيتها للنظام الجديد باعتباره تهديدا على المدى الطويل، لكنها ستكون منشغلة بتهديدات أخرى مثل حسم الوضع في قطاع غزة، ونزع سلاح حزب الله، وتقويض النظام الإيراني. ومع ذلك؛ فإن ما أظهرته “إسرائيل” خلال العامين الماضيين من استعداد لدفع تكلفة عالية وخوض الحرب في أكثر من جبهة قد يدفعها مرة أخرى لمواجهة الحكومة السورية حال انهارت المباحثات أو أصرت حكومة دمشق على مصادمة الضرورات الأمنية لإسرائيل.

من جانب الحكومة السورية؛ فإن الأولوية ستظل لتمكين النظام من فرض سلطته على عموم البلاد، وهو ما يتطلب تجنب الصدام مع الأطراف الخارجية، خاصة “إسرائيل” التي أظهرت استعدادها لاستهداف النظام عسكريا خاصة في الأحداث الأخيرة في السويداء. وبموازاة ذلك تعمل دمشق على تعزيز العلاقات مع الشركاء الذين يمكنهم توفير حماية للنظام الجديد والمساعدة في عملية إعادة البناء، وهو ما يبرز أهمية تركيا والسعودية، فضلا عن التطبيع مع الولايات المتحدة.

من جهة أخرى؛ لا يعني توقيع الاتفاق مع تركيا وقرب التوصل لاتفاق مع “إسرائيل” أن الصراع في سوريا وعليها وصل نقطة التوازن بعد. إذ تظل معضلة سوريا الرئيسية في تعارض مصالح دمشق والمصالح التركية من ناحية مع المصالح الإسرائيلية من ناحية أخرى. فحين تسعى أنقرة لدعم استقرار نظام الحكم الجديد وتقوية بنيته الأمنية والعسكرية للاستفادة منها في مواجهة التهديد الانفصالي الكردي على حدودها الجنوبية، فضلا عن تقوية نفوذها الجيوسياسي بشكل عام في المنطقة. لكن في المقابل تنظر “إسرائيل” لهذه الخطة كتهديد مزدوج: أولا، غياب الثقة في التوجهات الاستراتيجية بعيدة المدى للنظام السوري الجديد وثانيا، من جهة توجسها من مآلات الانتشار التركي العسكري المحتمل على مقربة من حدودها. 

لذلك؛ ستظل مصلحة “إسرائيل” هي العمل على بقاء سوريا ضعيفة حتى لو كانت موحدة، أو أن تواصل فرض التقسيم الفعلي من خلال تعزيز مناطق الحكم الذاتي في السويداء وربما أيضا في شمال شرق سوريا. وهو الأمر الذي سيضعها – إن حدث – في مواجهة مباشرة مع أنقرة.

ورغم أن التفاصيل النهائية لبنود الاتفاقية العسكرية بين أنقرة ودمشق لا تزال غير واضحة، إلا أن من المرجح أنها ستتطور تدريجيا لإنشاء نقاط عسكرية تركية ثابتة، سواء في صورة قواعد عسكرية واضحة أو مسميات مختلفة. إذ يمثل تقوية التعاون العسكري بين البلدين ضرورة لكل منهما. وسيمثل التواجد العسكري التركي تقييدا محتملا للاستهداف الإسرائيلي لبعض المقرات العسكرية السورية التي سيتواجد فيها بعثات التدريب التركية. لكنّ هذا لا يوفر للنظام السوري الحماية الكافية، ومن ثم فإن التوصل لاتفاق مع تل أبيب سيظل ضرورة لدى دمشق.

من الناحية النظرية؛ يزيد الاتفاق السوري التركي وتطوراته المحتملة، مخاطر التصعيد بين أنقرة وتل أبيب داخل سوريا، بصورة غير مباشرة، مثل استهداف المناطق والمنشآت التي تتواجد فيها أنقرة عسكريا، أو استهداف المعدات التركية التي قد تمد بها الجيش السوري، أو حتى استهداف قياداته الذين ستدربهم أنقرة. لكن ما زال من المرجح أن تتوصل تركيا و”إسرائيل” إلى تفاهمات تمنع الجانبين من الصدام في سوريا، خاصة الحد من التواجد العسكري التركي في الجنوب السوري، وأن تقتصر القدرات العسكرية التي يمكن لتركيا أن تمد بها الجيش السوري الجديد على قدرات دفاعية بما يضمن أنها لن تمثل تهديدا لأمن “إسرائيل”. 

في غضون ذلك؛ ستواصل الولايات المتحدة جهود دعم التفاهم بين تركيا و”إسرائيل”، وترتيب الأوضاع في سوريا بما يضمن ألا تسير في اتجاه المواجهة بين الحليفين، وخاصة في ظل التحولات الأمنية التي تجري في أوروبا وحاجة دول حلف شمال الأطلسي بصورة ماسة للقدرات التركية في بناء هيكل الأمن الأوروبي الجديد.