الخبر
أطلق الجيش السوري، بمساعدة قوات عشائرية عربية، خلال الأيام القليلة الماضية، هجوما عسكريا ناجحا لفرض سيطرته على مناطق كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ أكثر من عقد من الزمان. وحتى منتصف ليل الثلاثاء-الأربعاء 20 يناير/كانون ثاني، بسط الجيش سيطرته على كامل محافظات حلب (باستثناء مدينة عين العرب) والرقة ودير الزور، كما توغلت قواته والعشائر العربية في محافظة الحسكة، وانتشرت في ريفها الغربي والشمالي، وباتت على مشارف مدينة الحسكة. ومساء الثلاثاء، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إنه يدعم عملية الجيش السوري. بالتوازي مع المعارك، أعلنت الرئاسة السورية يوم الأحد 18 يناير/كانون ثاني، عن اتفاق مع قسد، بوساطة المبعوث الأمريكي، توماس برّاك، جاء فيه أن الحكومة ستتولى السيطرة الفورية على الرقة ودير الزور، وجميع حقول النفط والغاز والحدود الدولية، مع دمج المؤسسات المدنية في الحسكة في الدولة السورية، فيما سيدمج أفراد قسد في الجيش السوري وقوات الأمن بشكل فردي. كما أصدر الرئيس الشرع، يوم الجمعة 16 يناير/كانون ثاني، مرسومًا رئاسيًا يتعلق بحقوق الأكراد، نص على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، إلى جانب إلغاء جميع القوانين والتدابير المترتبة على إحصاء عام 1962.
التحليل: واشنطن تحسم خياراتها بين قسد والنظام السوري وتركيا أبرز الرابحين
- من المرجح أن ينجح النظام السوري في فرض سيطرته على كافة الأراضي التي كانت خاضعة لقسد، حتى لو تمتعت بعض المناطق المحدودة بنوع من خصوصية الإدارة المحلية. ومع سيطرة دمشق على غالبية الموارد التي كانت خاضعة لسلطة قسد فإن الأخيرة لم يعد لديها الكثير من الخيارات، خاصة بعدما فقدت أوراق تفاوضها الأساسية، بما في ذلك الحماية الأمريكية. وبغض النظر عن شكل الترتيبات النهائية، أمنيا وإداريا، المتعلقة بمدينة عين العرب وباقي مناطق الحسكة، فإن المشهد بصورة عامة يمضي نحو تحقيق أهداف دمشق الأساسية.
- لا تمثل هذه التطورات تغييرا جذريا في توزيع خريطة السيطرة في سوريا فحسب، ولكنّها أيضا تعني أن النظام السوري استطاع أخيرا وضع يده على موارد البلاد الرئيسية: المياه، والطاقة، والإنتاج الزاراعي، وهي خطوة ضرورية لتعزيز قدرته على حكم البلاد. حيث سيطرت قواته على سدين كهرومائيين على نهر الفرات، سد تشرين وسد الفرات، ويُعدّ الأول هو الأكبر ويمثل مصدراً رئيسياً لمياه الشرب في البلاد، ويمكنه بعد ترميمه توليد نحو 900 ميغاواط من الكهرباء. كما سيطرت على حقول النفط والغاز الرئيسية، بما في ذلك أكبرها، حقل العمر، بالإضافة إلى حقلي التنك وكونكو. بالإضافة لذلك، فإن غالبية إنتاج القمح السوري يأتي من محافظتي دير الزور والحسكة.
- أظهرت العملية العسكرية الخاطفة رهان دمشق على العمق العربي لسوريا، مقابل هشاشة أسس سيطرة قسد على مناطق سكانية واسعة لا تتمتع فيها بدعم اجتماعي راسخ. يمثل إدارة التنوع العرقي والطائفي واحدة من ضرورات نجاح الحكم في سوريا، ومع انهيار النظام السوري السابق، الذي استندت أجهزته الأمنية والعسكرية لشبكات ولاء في الريف العلوي، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع يراهن على مزيج من الاستناد لأغلبية السكان العربية السُنيّة التي توفر قاعدة عميقة للنظام الجديد، مع تجنب تهميش باقي المكونات السورية، كما يظهر مرسوم حقوق الأكراد، وذلك للحد من نزعات الانفصال والتمرد خاصة مع إمكانية توظيف ذلك من قبل قوى خارجية، كما في حالة الدعم الإسرائيلي لدروز السويداء.
- تحولت قسد بعد هذه التطورات من تهديد انفصالي إلى مجرد مشكلة أمنية، لكنّ دمشق ما زال أمامها طريقا طويلا قبل تحقيق سيطرة أمنية على عموم البلاد بصورة كافية وفعّالة، نظرا لهشاشة المؤسسة العسكرية والأمنية الناشئة والتي ما زالت تحتضن تناقضات واسعة وولاءات تتنازع نسبة معتبرة من أفرادها، فضلا عن حاجتها لمزيد من التدريب والقدرات والموارد المالية. سيظل من المحتمل أن تلجأ بعض مجموعات قسد إلى مواصلة التمرد المسلح، على غرار عمليات بي كاكا داخل تركيا، خاصة في ظل الانقسامات داخل قسد وما يثار حول وجود تيار متشدد يميل إلى رفض الاندماج في الدولة السورية الجديدة.
- من المرجح أن تواصل دمشق تعزيز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة. إذ يعتبر الدعم الأمريكي لتحرك الجيش السوري ضد قسد علامة على تنامي الثقة تجاه دمشق التي تظهر الالتزام الكامل بمكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني وإبعاد طهران ومواصلة جهود التوصل لاتفاقية أمنية مع الاحتلال الإسرائيلي. ولذلك؛ فإن دمشق ستكون أكثر حرصا في الفترة المقبلة على مواصلة هذه الالتزامات.
- تعتبر تركيا أهم الرابحين من هذه التطورات التي تضع حدا لتهديد أمني مستمر منذ أكثر من عقد، وهو تأسيس مناطق حكم ذاتي كردي على حدود البلاد الجنوبية. ويؤدي إضعاف أو تفكيك حالة قسد إلى إعادة تعريف البيئة الأمنية الإقليمية لتركيا من حيث إضعاف خطر الانفصالية الكردية خاصة وأنه يواكب مسار المصالحة الداخلية، ومسار تطور التنسيق الأمني بين تركيا والعراق ضد أنشطة بي كاكا.
- من اللافت عدم التدخل الإسرائيلي لتقديم أي دعم لقوات قسد، وهو ما يعزى إلى بعد مناطق قسد نسبيا عن حدود الاحتلال مقارنة بالتدخل لحماية الدروز في السويداء، بالإضافة للموقف الأمريكي الواضح الداعم لدمشق. لذلك؛ فإن تأثير هزيمة قسد على ملف السويداء قد لا يكون فوريا، حيث مازال الأخير يرتبط بالتوصل لتفاهمات أمنية مع الاحتلال. لكن لا شك أن طي صفحة ملف الانفصال الكردي بزيد من ضعف المطالب الدرزية الانفصالية.