زيارة دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان تسجل تدهور الهيمنة الروسية جنوب القوقاز
سياقات - فبراير 2026

الخبر

وقّع الرئيس الأذري إلهام علييف مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، في 10 فبراير/ شباط 2026، اتفاقية “شراكة استراتيجية” تشمل تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، فضلا عن صفقة شراء قوارب دوريات بحرية، وذلك بعد يوم من زيارة دي فانس إلى يريفان ولقائه مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، حيث وقّعا اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية يمهد لبناء محطة طاقة نووية، وأوضح دي فانس أن الاتفاقية ستُمكّن من تصدير ما يصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي مبدئيًا إلى أرمينيا، بالإضافة إلى 4 مليارات دولار أخرى في عقود طويلة الأجل لتوريد الوقود والصيانة. إلى جانب ذلك، وقع الجانبان صفقة طائرات مراقبة بدون طيار بقيمة 11 مليون دولار.

التحليل: شراكة أمريكية مع أرمينيا وأذربيجان تظهر تنامي نفوذها جنوب القوقاز

  • تمثل هذه التطورات حلقة جديدة من مؤشرات فقدان روسيا السيطرة التاريخية على جنوب القوقاز، وكيف باتت الولايات المتحدة قادرة على تعزيز نفوذها في المنطقة. وتُعدّ زيارة فانس الأرفع لمسؤول أمريكي إلى جنوب القوقاز منذ زيارة مايك بنس، نائب الرئيس في إدارة ترامب الأولى، إلى جورجيا عام 2017، وتأتي في سياق رعاية اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، الموقع في أغسطس/آب 2025 في البيت الأبيض، وتضمّن إنشاء ممر نقل بطول 27 ميلا يربط أذربيجان بجيبها ناخيتشيفان عبر جنوب أرمينيا، يُدعى “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP)، والذي حدد إعلان إطاري لاحق بين واشنطن ويريفيان تفاصيله التشغيلية.
  • تشير زيارة فانس إلى حرص واشنطن على دفع اتفاق أغسطس/آب 2025 إلى الأمام، والتركيز على إعادة فتح الحدود المغلقة منذ عقود، وتحويل جنوب القوقاز إلى عقدة عبور بين أوروبا وآسيا، بما يعيد إدماج المنطقة في شبكات الاقتصاد العالمي. وتركز المرحلة الراهنة على تثبيت المكاسب من خلال توسيع التعاون في التجارة والنقل والطاقة، عبر ربط البلدين بمنظومات الطاقة الإقليمية التي تشمل تركيا وتمتد إلى الأسواق الأوروبية. كما أشار المبعوث الأمريكي الرئاسي الخاص ويتكوف إلى احتمال انضمام أرمينيا وأذربيجان إلى اتفاقيات أبراهام، ما يربط مسار السلام في القوقاز بشبكات تطبيع إقليمية مع “إسرائيل”.
  • تتحرك أذربيجان وفق استراتيجية لتحويل موقعها الجغرافي إلى رافعة تنويع اقتصادي تحوّطًا من تراجع عوائد النفط والغاز، فتعمل على ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. ويتطلب تحقيق هذا الطموح إعادة فتح المسارات المغلقة بين أرمينيا وأذربيجان، وبين أرمينيا وتركيا. ويركز خطاب باكو على تحويل جنوب القوقاز من ساحة حرب إلى بيئة استثمارية مستقرة، ما يوفر طمأنة لرؤوس الأموال الخارجية ويعزز تدفق الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية. 
  • بالنسبة لأرمينيا، يتيح السلام مع أذربيجان تطبيع العلاقات مع أنقرة وإعادة فتح الحدود التركية المغلقة منذ عام 1993، ما يمثل أولوية اقتصادية، هي الوصول البري إلى الأسواق الأوروبية وكسر العزلة الجغرافية التي قيّدت نموها لعقود. ويتزامن هذا مع تحول سياسة رئيس الوزراء نيكول باشينيان بعيداً عن موسكو. ولأن الرعاية الأمريكية لمسار التفاوض مظلة حماية بديلة، فقد قدّمت أرمينيا تنازلات عديدة لتأمين الاتفاق المدعوم أمريكيا، شملت القبول بحل مجموعة مينسك، والموافقة على ترتيبات ترسيم حدود أقرب إلى الرؤية الأذرية، والتخلي عن مطلب عودة اللاجئين إلى كاراباخ، وبقيت نقطة الخلاف تتعلق بمطالبة باكو بتعديل الدستور الأرميني لإزالة الإشارة إلى أن كاراباخ جزء من أرمينيا.
  • منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 رفعت أذربيجان قيود العبور إلى أرمينيا، وبدأ تسجيل تبادل تجاري شمل صادرات من المنتجات النفطية وتبادل قوائم سلع، كما أطلقت باكو مشروع نقل كهرباء عالي الجهد على طول ممر “ترامب” لربط شبكتها الكهربية مع ناخيتشيفان. ويراهن باشينيان على أن الانفتاح الاقتصادي سيترجم إلى مكاسب ملموسة قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في عام 2026، وقد بدأت مؤشرات أولية تظهر مع انطلاق شحنات أذرية من النفط والغاز إلى يريفان ما أدى تراجع أسعار الوقود بنسبة 15%
  • بالنسبة لروسيا؛ تجد موسكو نفسها أمام بيئة يتآكل فيها نفوذها الراسخ منذ حقبة الاتحاد السوفيتي. تنظر روسيا بقلق إلى أي ترتيبات تقلّص قدرتها على التحكم بمسارات النقل والطاقة أو تُضعف موقعها كوسيط تقليدي في جنوب القوقاز. وقد تراجعت روسيا عن دورها كضامن أمني لأرمينيا وكوسيط بين الجانبين نتيجة انشغالها بالحرب في أوكرانيا. وفي حال انحسار الجبهة الأوكرانية، يُتوقع أن تعيد موسكو توجيه اهتمامها إلى جنوب القوقاز، فضلا عن احتمال تغيير رئيس وزراء أرمينيا بقادة آخرين مناهضين لمسار التطبيع مع أذربيجان، في ظل تنامي الاتهامات لباشينان بالتنازل أكثر من اللازم لأذربيجان.
  • بالنسبة لأوروبا؛ عززت الحرب في أوكرانيا وزن أذربيجان في حسابات بروكسل، إذ سارع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى توسيع عقود استيراد الغاز الأذري لتعويض بعض الإمدادات الروسية، كما اكتسبت باكو موقعاً محورياً بوصفها حلقة العبور الأساسية في “الممر الأوسط” الذي يصل آسيا الوسطى بأوروبا دون المرور بروسيا وإيران، ما يفتح المجال لتكثيف نقل المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة إلى القارة الأوروبية.
  • بالنسبة لإيران؛ يثير “ممر ترامب” مخاوف أمنية تتعلق بالوجود الأمريكي على حدودها الشمالية، وبعلاقات أذربيجان مع “إسرائيل”. بالإضافة إلى أن تشغيل ممر ترامب يهدد بتجاوز إيران في مشروعات النقل الدولية بين آسيا وأوروبا. وقد اعتادت طهران توصيف أي تغيير في وضع حدودها مع أرمينيا باعتباره خطاً أحمر، غير أن قدرة إيران على تحويل هذه المواقف إلى إجراءات فعلية تبقى محدودة في ظل انشغالها بالتهديدات الأمريكية والتحديات الداخلية والضغوط الاقتصادية. 
  • في ظل تاريخ طويل من العداء وفقدان الثقة، تبقى الحدود الأرمينية الأذرية بؤرة توتر محتملة، لكن محدود بما لا يهدد اتفاق السلام. وفي ظل الشكوك والاتهامات المتبادلة بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، يعزز الطرفان قدراتهما العسكرية، إذ تضاعفت الميزانيات الدفاعية للبلدين، واتجهت أرمينيا إلى تنويع مصادر تسليحها عبر صفقات مع فرنسا والهند بعد تراجع اعتمادها على روسيا، في حين تواصل أذربيجان إنفاقها العسكري بوتيرة أعلى، مع مشتريات من “إسرائيل” وتركيا، إضافة إلى تعاون مع باكستان وصربيا وسلوفاكيا.