الخبر:
قالت الخارجية الصينية، في 10 مارس/آذار، إن أمن الطاقة مسألة حيوية للاقتصاد العالمي، وإن على جميع الأطراف ضمان استقرار تدفقات الطاقة، وأن الصين “ستفعل ما يلزم” لحماية أمن الطاقة الصيني. وأضافت المتحدثة باسم الخارجية قوه جياكون، إن بكين تعتبر الأولوية هي وقف العمليات العسكرية فورًا، ومنع اتساع الحرب. وقالت إن الصين تقوم بجهود وساطة مكثفة، وإن مبعوثها للشرق الأوسط موجود في المنطقة ضمن دبلوماسية مكوكية لهذا الغرض. وفي سياق متصل بحرب إيران، نقلت واشنطن بوست عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخبارية، يوم 6 مارس/آذار، أن روسيا زودت إيران بمعلومات استهداف لمواقع سفن وطائرات أمريكية في الشرق الأوسط. وهو ما عززته لاحقا مصادر تحدثت لكل من فايننشال تايمز، وول ستريت جورنال. وفيما يشبه الإقرار الضمني، قال وزير الخارجية عباس عراقجي في مقابلة مع NBC، إن التعاون مع روسيا “ليس سرًا”، وإن موسكو “تساعدنا في اتجاهات مختلفة كثيرة”. غير أن الرئيس ترامب قلل من مصداقية المعلومة، ثم نقلت رويترز، في 10 مارس/آذار، عن ستيف ويتكوف أن روسيا أبلغت ترامب أنها لا تشارك معلومات عن الأصول العسكرية الأمريكية مع إيران.
التحليل: روسيا والصين توازنان مكاسب ومخاطر الحرب على إيران

● يمثل الحفاظ على النظام الإيراني مصلحة واضحة لكل من روسيا والصين. إذ سيؤدي تغيير النظام بآخر موالي للولايات المتحدة إلى مزيد من تغير موازين القوى في آسيا الوسطى ومنطقة الشرق لمصلحة واشنطن، بينما ستفقد بكين وموسكو شريكا اقتصاديا وأمنيا مهما، فضلا عن كونه عضوا أساسيا في التحالف المناهض للغرب. ولذلك؛ يتوقع أن تتلقى طهران من الجانبين قدرا من الدعم اللوجيستي اللازم للصمود إذا طالت الحرب، دون أن يظهر هذا الدعم كتحد مباشر لواشنطن.
● بالإضافة لذلك، فإن الصين وروسيا قد تلعبان دورا مستقبليا أكثر تدخلا في حالة ضعف النظام الإيراني أو تعرضه لتهديد فقدان السيطرة على البلاد؛ فقد تساهم الدولتان في تشكيل مستقبل البلاد ومنع الولايات المتحدة من فرض أجندتها. فيمكن لروسيا أن تبرز كشريك أمني ميداني بينما الصين ستمثل الراعي الاقتصادي الأساسي. وسيكون للبلدان مصلحة أساسية دائمة وهي منع انهيار الحكم المركزي أو تفتت البلاد، نظرا للتداعيات الواسعة لذلك على الأمن والاستقرار في آسيا الوسطى والتي ستشبه قنبلة نووية ستصل موجاتها الارتدادية إلى حدود الدولتين وطرق التجارة والمرتبطة بهما.
● من زاوية أخرى، تظهر الحرب حدود قدرة التكتلات المناهضة لأمريكا عند حدوث أزمات حقيقية، وقد أظهرت بصورة خاصة أن الشراكة الاستراتيجية الثنائية بين إيران وكل من الصين وروسيا، والأطر الجماعية مثل بريكس، ما زالت بعيدة عن تشكيل مركز ثقل جيوسياسي رادع أو معادل للنفوذ الأمريكي المستند إلى تفوق عسكري ونفوذ اقتصادي دولي، وشبكة تحالفات متعددة تتفاوت داخلها مستويات الالتزام الدفاعي لكنّها تظل أكثر فاعلية من الهياكل البديلة مثل بريكس أو منظمة شانغهاي للتعاون.
- قراءة الموقف الروسي
● يتمثل الموقف الاستراتيجي لروسيا في دعم إيران سياسيا والاستفادة من الحرب اقتصاديا ودبلوماسيا، مع التزام الحياد العسكري المباشر والسعي إلى إبقاء الصراع محدودا والحفاظ على النظام الإيراني دون انهياره. أي إن المنظور الأقرب لرؤية روسيا هو: “إيران باقية وإن كانت ضعيفة”، مع حرصها أن ظل إيران معادية للغرب. كما تظل من مصلحة موسكو عدم نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق أو خارجة عن السيطرة تمتد تداعياتها الأمنية إلى جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
● تستفيد روسيا بشكل مباشر من ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالية زيادة صادراتها، لتعويض الخسائر الناتجة عن العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها منذ بداية حربها مع أوكرانيا. فإثر اندلاع الحرب مباشرة ارتفع سعر النفط الخام الروسي، الذي كان يتداول بأقل من 40 دولار للبرميل في ديسمبر 2025، إلى نحو 62 دولار، قبل أن يبلغ سعر البرميل 76 دولار يوم 10 مارس/آذار. لكن، وبالرغم من ذلك، ستحد قيود الإنتاج في إطار أوبك+ والعقوبات الغربية قدرة موسكو على استغلال اضطرابات سوق الطاقة بشكل أوسع، ما لم يطل أمد الحرب.
● رغم غموض مسألة الدعم الاستخباري الروسي لإيران في الحرب، من المرجح أن تواصل موسكو التعاون مع طهران، لكن دون مشاركة مباشرة وعلنية في القتال، وتقديم بعض الدعم اللوجيستي الذي يمّكن إيران من الصمود. وهو موقف مشابه نسبيا للدعم الذي قدمته إيران لروسيا في حربها مع أوكرانيا والتي وفرت آلاف الطائرات المسيرة والانتحارية. ويتماشى ذلك أيضا مع “الشراكة الاستراتيجية” الموقعة مع إيران عام 2025 والتي لا تشتمل على بنود للدفاع المشترك، مما يجعل موسكو غير ملزمة بالقتال من أجل إيران. وستحرص روسيا على تجنب أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إذ لا ترغب في أن تستنزف قدراتها – المستنزفة أصلا – وتتشتت عن جبهة أوكرانيا المشتعلة.
- قراءة الموقف الصيني
● تنظر الصين إلى إيران كمورد رئيسي للطاقة ومحور أساسي في مبادرة الحزام والطريق. لذا تسعى إلى بقاء النظام واستقرار البلاد لحماية الاستثمارات، وإبقاء مضيق هرمز مفتوحا. استوردت الصين عام 2025 ما بين 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الخام الإيراني، أي ما يعادل نحو 14٪ من إجمالي وارداتها من النفط الخام، وأكثر من 80% من صادرات إيران النفطية. وبالرغم من انخفاض سعر النفط الإيراني (الذي يُعاد تسويقه غالبا عبر ماليزيا) إلا أن استراتيجية بكين لا تسمح لأي مورد بتجاوز 20% من وارداتها من النفط، لذا فإن إيران تُعد موردا مهما، لكنها ليست مهيمنا.
● لكن التحدي الذي تواجهه الصين يتمثل في أن إجمالي وارداتها من النفط الخام المار عبر مضيق هرمز تقدر بحوالي نصف وارداتها، بما يشمل واردات من السعودية والإمارات وقطر والعراق والكويت وإيران مجتمعين. وبينما يمكن للصين اللجوء لاحتياطيها الاستراتيجي من الخام، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض حجم ما تستورده من النفط العابر من مضيق هرمز في المدى القريب، مما قد يجعلها تعتمد بصورة متزايدة على روسيا، مناقضة بذلك استراتيجية تنويع البدائل.
● بالإضافة لذلك؛ تمثل الحرب تحديا كبيرا لسلاسل إمداد المواد الكيماوية الصينية، فإيران تعتبر أهم منتج عالمي رئيسي للميثانول ومورد أساسي للصين. حيث يأتي من إيران حوالي 40٪ من واردات الصين من الميثانول. وسيؤدي تعطل هذه الواردات إلى زيادة تكاليف المدخلات لمنتجي البلاستيك والمواد الاصطناعية، ويضغط على هوامش ربح الشركات الصغيرة مما يُجبرها على خفض الإنتاج أو إيقافه إذا استمرت الحرب.
● ومن زاوية عسكرية، تمثل الحرب فرصة للصين في خفض الحضور العسكري الأمريكي في حوض الباسيفك، واستنزاف الولايات المتحدة عسكريا، فقد أدت الحرب لسحب أمريكا عددا من أصولها البحرية الاستراتيجية والطائرات الهجومية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مثل مجموعة حاملة الطائرات الضاربة (يو إس إس أبراهام لينكولن) ومنظومات ثاد والباتريوت من كوريا الجنوبية إلى “إسرائيل”. لكنّ هذه المكاسب تظل مؤقتة ولا تؤثر بصورة استراتيجية على توازن القوى في بحر الصين الجنوبي والشرقي، إلا إذا كانت الصين تخطط لاستغلال هذه الفرصة لتغيير الوضع في تايوان، وهو أمر لا يبدو مرجحا.
● ستتجنب الصين أي انخراط عسكري أو دعم مادي مباشر قد يعرّض مصالحها الاقتصادية للخطر، من خلال فرض واشنطن عقوبات اقتصادية، خاصة وأن الصين تحرص على التوصل لتفاهمات واسعة مع إدارة ترامب تنهي الحرب التجارية والتوترات في سوق التكنولوجيا وغير ذلك من القضايا العالقة بين البلدين. بخلاف ذلك، لا ترغب الصين في أن تظهر دعما لإيران ضد دول الخليج العربي والتي تعد مسرح عمليات ممتد في الحرب الإيرانية الأمريكية الاسرائيلية، حيث تظل المصالح الصينية مع دول الخليج حيوية.