الخبر
يتواصل التنسيق الأمريكي والإسرائيلي مع جماعات كردية إيرانية معارضة تتواجد في شمال العراق، في إطار مساعٍ للضغط على النظام الإيراني في ظل الحرب الدائرة في المنطقة. وأجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالات هاتفية مع قادة أكراد من العراق وإيران، من بينهم مصطفى هجري زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، لمناقشة إمكان دعم عمليات برية داخل إيران. وأفادت شبكة CNN بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد يعملان منذ عدة شهور على خطط لتسليح قوات المعارضة الكردية الإيرانية بهدف إطلاق عمليات مسلحة غرب إيران، كما أفادت تقارير بأن الجماعات الكردية المسلحة الإيرانية طلب من الولايات المتحدة و”إسرائيل” فرض منطقة حظر طيران في منطقة أذربيجان الجنوبية، خشية تعرضهم لهجمات تركية. وتزامنت هذه التحركات مع تكثيف الغارات الإسرائيلية غربي إيران على مقرات الحرس الثوري والجيش ومراكز الشرطة وقوات الباسيج، في المقابل، ردّت إيران بتكثيف ضرباتها ضد مواقع الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة في شمال العراق، كما تمارس ضغوطاً على حكومة إقليم كردستان العراق لمنع عبور مقاتلين أكراد إلى داخل الأراضي الإيرانية، والتي أكدت بدورها أن الإقليم لن يكون طرف في أي تصعيد عسكري.
التحليل
- تأتي الخطط الأمريكية-الإسرائيلية لتوظيف الورقة الإثنية في الحرب ضمن مقاربة تقوم على الاستنزاف متعدد الجبهات، من أجل أهداف تكتيكية وإستراتيجية:
⊙ أولا، في المستوى التكتيكي: تتعرض إيران لاضطرابات داخلية بالتوازي مع ضغوط عسكرية خارجية ما يزيد من كلفة الحرب عليها. يستند هذا التصور إلى افتراض أن دعم تمرد مسلح في الأطراف الجغرافية لإيران سيفرض على النظام أعباء أمنية إضافية ويجبره على تشتيت موارده العسكرية. كما يُعوَّل على أن يؤدي التمرد في المناطق الكردية إلى تحفيز جماعات انفصالية أخرى، مثل التنظيمات البلوشية في جنوب شرق البلاد، على إطلاق عمليات مماثلة، ما سيفتح أمام طهران جبهات أمنية متزامنة.
⊙ ثانيا، في المستوى الإستراتيجي: قد ينسجم مع أجندة تل أبيب التي تدفع نحو إما إسقاط النظام أو تفتيت وحدة إيران. حيث قد يؤدي الاستنزاف في حروب داخلية إلى مزيد من إضعاف النظام وتبديد موارده، ومن ثم مزيد من تحريض الرأي العام على الثورة من أجل تغييره. أو قد تغرق البلاد في أزمات انفصالية تفقد النظام السيطرة على الأطراف.
- تمثل المناطق الكردية في إيران (غرب وشمال غرب البلاد) إحدى أكثر الساحات قابلية للاستخدام في هذا النوع من الضغوط؛ فهي تمتلك تاريخاً طويلاً من النشاط المسلح عبر الحدود، كما أن عدداً من الفصائل الكردية الإيرانية يعمل بالفعل من قواعد في إقليم كردستان العراق، أبرزهم ما يلي:
- الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وهو أحد أقدم الأحزاب الكردية، والذي تأسس في عام 1945، وأسس “جمهورية مهاباد” لمدة 11 شهرًا تحت الحماية السوفيتية في عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن استعادت القوات الحكومية الإيرانية السيطرة على المنطقة.
- حزب كومله “المجتمع باللغة الكردية”، وهو الفرع الكردي للحزب الشيوعي الإيراني، وتأسس في عام 1969.
- حزب حرية كردستان “باك” تأسس عام 1991، ويدعو إلى قيام دولة كردية مستقلة تضم أراضي من إيران والعراق وسوريا وتركيا.
- حزب الحياة الحرة الكردستاني “بجاك”، وهو الجناح الكردي لحزب العمال الكردستاني، وتأسس في عام 2004.
- من الناحية العملياتية، تمتلك الجماعات الكردية الإيرانية مقومات تجعلها محل رهان. فهي تحتفظ بشبكات عسكرية في المناطق الجبلية الممتدة على الحدود الإيرانية العراقية، ولديها خبرة في العمليات غير النظامية ضد قوات الأمن الإيرانية. ولكنها في المقابل، تفتقر إلى القدرات العسكرية التي تمكنها من خوض مواجهة ممتدة مع الدولة الإيرانية. فمعظم الفصائل الكردية الإيرانية لا تمتلك سوى أسلحة خفيفة، ولا تملك دبابات أو مدفعية ثقيلة. كذلك لا زالت المؤسسات الأمنية الإيرانية – وخاصة الحرس الثوري- تتمتع بدرجة كافية من التماسك التنظيمي والقدرة على توجيه ضربات مؤلمة، وهو ما ظهر في الضربات المتكررة ضد مواقع الجماعات الكردية في كردستان العراق وإعلانها إحباط محاولات تسلل عبر الحدود.
- إلى جانب القيود العسكرية، هناك قيود اجتماعية وسياسية تحد من تأثير الورقة الكردية داخل إيران. فالأكراد يمثلون أقلية داخل البلاد، (ما بين 8 إلى 10 مليون نسمة، أي ما يعادل حوالي 10% من سكان البلاد)، بينهم أكثر من 60% ينتمون إلى المذهب السني. وهذا يعني أنهم سيفتقدون إلى تأييد الأغلبية الفارسية لمشروع الانفصال أو الحكم الذاتي الكردي. كما تعاني الحركة الكردية نفسها من انقسامات تاريخية بين فصائل متعددة تختلف في الأيديولوجية والأهداف. وحتى مع إعلان تحالف كردي بقيادة مصطفى هجري في فبراير/ شباط 2026، فإن هذه التباينات قد تعود إلى الظهور في حال تطور الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
- كذلك تبرز تحديات تتعلق بتاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة والجماعات الكردية. فالتجربة التاريخية تظهر أن واشنطن كثيراً ما دعمت الحركات الكردية في مراحل معينة ثم تخلت عنها عندما تغيرت حساباتها، كما حدث في العراق بعد حرب الخليج عام 1991، وفي سوريا بعد انتصار الثورة. وقد يجعل هذا الإرث بعض الفصائل الكردية حذرة في الرهان على دعم أمريكي في مواجهة طهران.
- يحمل توظيف الورقة الكردية مخاطر إقليمية قد تؤدي إلى جر تركيا إلى الصراع. حيث تنظر أنقرة إلى النشاط المسلح الانفصالي الكردي كتهديد مباشر لأمنها القومي، وتخشى أن يؤدي دعم الجماعات الكردية الإيرانية إلى إعادة تنشيط شبكات التمرد الكردي المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وبالتالي فحدوث تمرد كردي داخل إيران قد يدفع تركيا إلى تنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود لمنع ترسيخ وجود مسلحين أكراد قرب حدودها. بالإضافة لذلك، يثير هذا المخطط مخاوف دول المنطقة التي تتحسب من تداعيات محاولات تقسيم إيران، والتي قد تدفع طهران لتحريك مجموعات شيعية مسلحة في محيطها الإقليمي، خاصة في العراق وسوريا، ما يدخل المنطقة لنفق اقتتال طائفي وإثني جديد.