الخبر:
نقلت وكالة الأنباء الجزائرية في بيان مقتضب، أن الجزائر باشرت إجراءات إنهاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات، الموقعة في مايو 2013. وهو القرار الذي تزامن مع هجوم الرئيس، عبد المجيد تبون، على دولة عربية وحيدة، لم يسمها، وصفها بـ”الدويلة”، لتدخلها في الشؤون الداخلية لبلاده. وفي المقابل، نقلت وكالة أنباء الإمارات (وام) عن الهيئة العامة للطيران المدني إن الإخطار الوارد من الجزائر لن يكون له أي “تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية”، وإن الاتفاقية تظل سارية خلال المهلة القانونية المحددة. وينهي القرار الإطار القانوني المنظم للرحلات الجوية بين البلدين، لكنّه لا يعني قطيعة جوية أو إغلاق المجال الجوي. وسبق أن قال الرئيس الجزائري إن علاقات بلاده مع جميع دول الخليج ودية باستثناء دولة واحدة، واصفا العلاقات مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر بأنها علاقات “أشقاء”.
التحليل: علاقات الجزائر والإمارات ضغطٌ بلا قطيعة
- يُعتبر إلغاء الاتفاقية بمثابة “إنذار سياسي” و “تصعيد محسوب” من قبل الجزائر، حيث يستثمر الضغط الإقليمي على الإمارات حاليا لإرسال رسالة أن عليها أن تتوقف عن تهديد أمن ومصالح الجزائر، وأن جبهة الضغط الإقليمي قد تتسع. حيث يتزامن القرار مع حراك إقليمي أوسع لإعادة ضبط دور الإمارات في ملفات كالسودان والصومال واليمن، ولا ينفصل عن سعي السعودية لإنشاء تحالف إقليمي ولو غير رسمي لردع الإماراتي. وقد جاء القرار عقب زيارة وزير الداخلية السعودي للجزائر ولقائه تبون، وقبلها إعلان الرياض عن استثمارات بقيمة 5.4 مليار دولار في قطاع الطاقة الجزائري.
- بالنظر إلى المحاور الإقليمية المرنة التي تتشكل حاليًا، فإن مصالح الجزائر تجعل اصطفافها فى المعسكر المضاد للإمارات أقرب، حيث ترتبط بعلاقات تعاون دفاعي واقتصادي وثيق مع تركيا، بينما تربطها بإسرائيل عداوة معلنة، وتنظر للاتفاق الدفاعي بين المغرب وإثيوبيا بكثير من القلق.
- وتأتي الخطوة في سياق مستمر من تحولات داخلية للمزاج السياسي الجزائري تجاه الإمارات. فطوال السنوات الماضية، اتهمت الجزائر الإمارات بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة التأثير على الانتخابات. وتشهد السياسة الخارجية لكلا البلدين تباينا في عدة ملفات، أبرزها التغلغل الإسرائيلي شمال أفريقيا من خلال التطبيع مع المغرب. حيث يخيّم على علاقات المغرب والجزائر صراع مزمن منذ عقود، خاصة حول قضية الصحراء الغربية. وقد أدى مسار اتفاقيات أبراهام، الذي قادته الإمارات، إلى حصول الرباط على دعم واشنطن، وتطور الشراكة العسكرية بين المغرب و”إسرائيل”، ما أثار قلق الجزائر وغير توازن القوى أفريقيا ودوليا لصالح الرباط في ملف الصحراء.
- بالإضافة إلى ذلك؛ فإن الجزائر تنظر بمزيد من القلق تجاه الدور الإماراتي في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي، كما تقف الدولتان على طرفي نقيض في السودان إذ تدعم الجزائر الجيش، بينما توصل أبوظبي دعم قوات الدعم السريع. وفي مالي، تدعم الإمارات المجلس العسكري الحاكم الذي تنصّل من اتفاق سلام رعته الجزائر مع قبائل الآزواد شمال البلاد، وقام بشن عمليات عسكرية ضدهم تراها الجزائر تهديدًا لأمن حدودها الجنوبية مع مالي الممتدة لأكثر من 1300 كم.
- لم تُبدِ الإمارات أي رد فعل تصعيدي حتى الآن على قرار إنهاء اتفاقية خدمات النقل الجوي، لكنها بشكل عام لا تميل إلى المواجهة المباشرة، وإنما تتبنى نموذجًا قائمًا على شراء النفوذ بشكل غير مباشر، ودعم وكلاء محليين، والاستثمار في نزاعات منخفضة التكلفة، وتحريك وتغذية صراعات لاشغال المنافسين. وتخشى الجزائر من امتداد هذا النموذج لأراضيها، إذ اتهمت وسائل إعلام مقربة من الحكومة الإمارات أنها تدعم حركة “تقرير مصير منطقة القبائل – ماك” الانفصالية. ورغم ضعف حضور الحركة على الأرض إلا أنها أعلنت من باريس في ديسمبر/كانون أول 2025 استقلال ما سمته “جمهورية القبائل الاتحادية” بحضور وفود غير رسمية من عدة دول، بينها “إسرائيل”.
- وبالنظر إلى الاتجاهات الحالية يبرز سيناريوهان محتملان للعلاقات الجزائرية – الإماراتية:
◉ توالى التصعيد حتى قطع العلاقات الدبلوماسية: من المرجح أن يكون هذا السيناريو قد نوقش بالفعل داخل دوائر صنع القرار الجزائرية، لكنها قد لا تريد الوصول إليه، مع امتلاك الإمارات أوراق ضغط اقتصادية وسياسية، تشمل استثمارات فى الجزائر تقدر بـ40 مليار دولار وتسيطر موانئ دبى على تشغيل وإدارة أهم مينائين جزائريين على البحر المتوسط، وفى أي مواجهة من المحتمل أن تحرّض أبوظبى الحليف الأمريكي المتشكك أصلاً إزاء علاقات الجزائر العسكرية بروسيا.
◉ سيناريو التهدئة وإدارة الخلافات: يدعم هذا السيناريو أن خيار قطع العلاقات لم يثبت فاعليته في حالة المغرب، وقد يؤدي توسع هذا النهج عربيا إلى عزلة الجزائر بدلا من الضغط على خصومها. ومن المحتمل أيضا أن تميل أبوظبي لإعادة ترتيب أوراقها لاحتواء السخط الإقليمي المتزايد من سياستها، كما أن المؤشرات الحالية تشير إلى رغبة الأطراف الإقليمية عموما في إدارة التباينات وتجنب الوصول إلى القطيعة الكاملة.