رسائل اجتماع وزراء خارجية الصين وباكستان وأفغانستان
سياقات - أغسطس 2025

الخبر

عقد وزراء خارجية الصين وباكستان وأفغانستان اجتماعا ثلاثيا في العاصمة الأفغانية كابول، وعقب اللقاء دعا “وانغ يي” وزير الخارجية الصيني في بيان باكستان وأفغانستان إلى تعزيز التبادلات الثلاثية وتعميق التعاون الأمني، وتعزيز مكافحة الأنشطة الإرهابية العابرة للحدود الوطنية، وأكد سعي بكين لتعزيز الأمن مع جيرانها، واستعدادها لفهم ودعم القضايا المتعلقة بالمصالح الأساسية لكل دولة، ومعارضتها بشدة للتدخل الخارجي في المنطقة وكذلك لأي منظمة أو فرد يقوض السيادة الوطنية لأي من الدول الثلاث.

التحليل: الصين وباكستان وأفغانستان.. هندسة توازنات إقليمية عبر المنصة الثلاثية

تمثل الاجتماعات الثلاثية بين الصين وباكستان وأفغانستان منصة مركزية لتخفيف التوترات، وتعزيز ترتيبات الأمن الإقليمي، وحماية المشاريع الاقتصادية الكبرى، بما يجعلها أداة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، خاصة وأن الصين وباكستان معنيتان بقطع الطريق على توغل النفوذ الهندي إلى أفغانستان

تبني الصين سياستها تجاه أفغانستان على تعزيز التعاون الاقتصادي خاصة الاستفادة من ثروات البلاد المعدنية، وربط كابول بمبادرة “الحزام والطريق” عبر الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، ومكافحة الإرهاب بما يضمن استقرار حدود الصين الغربية وحماية استثماراتها. 

في المقابل، ترى باكستان صعود طالبان “انتصارًا استراتيجيًا” سرعان ما انعكس توترًا بسبب خلافات تاريخية كخط ديوراند وتزايد هجمات طالبان باكستان، ما دفع إسلام آباد لاستخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية واللاجئين كورقة ضغط على كابول، مما أدى إلى تدهور العلاقات. فيما تسعى الحكومة الأفغانية، من جهتها، إلى فرض شرعية دولية وبناء شبكة علاقات إقليمية متنوعة، مستفيدة من الانفتاح الصيني التنسيق الثلاثي مع بكين وإسلام آباد لتأمين الاستقرار وجذب الاستثمارات. 

أولا: مقاربة الصين تجاه أفغانستان

تشترك الصين مع أفغانستان في حدود قصيرة نسبيًا يبلغ طولها 92 كيلومترًا، تتقاطع عند منطقة جيلجيت-بلتستان الباكستانية. وتعتبر أفغانستان نقطة جيوسياسية محورية في مبادرة “الحزام والطريق”، إذ تقع عند ملتقى ثلاث مناطق استراتيجية: جنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وغرب آسيا (الشرق الأوسط). ومن ثم فهي ضرورية لإحكام نفوذ الصين الجيوسياسي على عدة مناطق، بما في ذلك ربط غرب الصين بجنوب ووسط آسيا وإيران والخليج.

وتبني بكين استراتيجيتها تجاه أفغانستان على ثلاثة محاور رئيسة: 

أولا، دمج أفغانستان في مبادرة “الحزام والطريق” عبر مدّ الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC) إلى الأراضي الأفغانية. وذلك ضمن توجه أوسع تسعى الصين فيه إلى ملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، والعمل على منع عودة كابول إلى دائرة النفوذ الغربي.

ثانيا، تعزيز التعاون الاقتصادي، خاصة وأن لدى أفغانستان فرصًا واعدة للاستثمار في قطاع الموارد الطبيعية بما في ذلك المعادن، إلى جانب إمكانات أسواقها الناشئة. 

وثالثا، مكافحة الإرهاب. إذ يتطلب تنفيذ مشاريع الربط الإقليمي وضخ الاستثمارات وتطوير البنية التحتية، تحقيق مستوى أعلى من الاستقرار، ومكافحة الجماعات المتطرفة مثل فرع تنظيم الدولة الإسلامية “ولاية خراسان”، والذي سبق أن استهدف مصالح صينية في أفغانستان، بالإضافة إلى مكافحة الجماعات البلوشية التي تستهدف المواطنين الصينيين العاملين في مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وأخيرا المجموعات الإيجورية المتواجدة في أفغانستان، والتي تخشى بكين تنفيذها هجمات داخل إقليم شينجيانغ “تركستان الشرقية”.

ولذلك؛ اعتمدت بكين سياسة “الانفتاح المحسوب” تجاه الحكومة الأفغانية الجديدة؛ فكانت أول دولة تعيّن سفيرًا لها لدى كابول، وأول دولة تقبل اعتماد سفير لطالبان. غير أنها أحجمت عن الاعتراف الرسمي بالحكومة لتجنب الكلفة السياسية، فيما سبقتها موسكو لتكون أول دولة تعترف بطالبان رسميًا في يوليو/تموز 2025، وهو تطور قد يشجع الصين على اتخاذ خطوة مماثلة قريبًا.

اقتصاديا، أبرمت شركة شينجيانغ للبترول والغاز في آسيا الوسطى (CAPEIC)، وهي شركة تابعة لشركة البترول الوطنية الصينية الحكومية (CNPC)، اتفاقية لاستخراج النفط من حوض أمو داريا بأفغانستان عام 2023، تمتد إلى 25 عاما وبقيمة استثمارات 540 مليون دولار، وهو أول اتفاق دولي بارز في قطاع النفط توقعه الحكومة الأفغانية. كما تبدي الصين اهتمامًا بالاستثمار في احتياطيات الليثيوم، والقطاعات الزراعية، والبنية التحتية، ومشاريع الطاقة والمناطق الصناعية.

ثانيا: مقاربة باكستان في أفغانستان

اعتُبر صعود طالبان إلى الحكم مجددًا بمثابة “انتصار استراتيجي” لباكستان، إذ رأت فيه إسلام آباد استعادةً لعمقها الحيوي في أفغانستان. غير أنّ الآمال التي رافقت هذا التحول سرعان ما تراجعت، مع عودة التوترات التقليدية إلى الواجهة بسبب ملفات خلافية مزمنة. أبرزها خط ديوراند الحدودي، الذي رُسم في الحقبة الاستعمارية البريطانية، وترفض كابول الاعتراف به كحد فاصل شرعي بين الدولتين. وقد مثّل شروع باكستان في بناء سياج حدودي نقطة تفجير للأزمة، إذ اعتبرته أفغانستان اعتداءً على أراضيها، الأمر الذي زاد من حدّة التوترات الثنائية.

كما شكّل تصاعد نشاط حركة طالبان باكستان بعد أغسطس/آب 2021 تحديًا أمنيًا بالغ الخطورة لإسلام آباد، ما جعل “مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025” يصنّفها ثاني أكثر دول العالم تضررًا من الإرهاب بين 163 دولة. وتتهم السلطات الباكستانية طالبان باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية كمنصات للتدريب والتجنيد والتخطيط، والتزود بأسلحة متطورة من مخلفات الجيش الأمريكي. أما كابول فتنفي هذه الاتهامات، وترفض الانخراط في حرب نيابة عن إسلام آباد.

وأمام هذا الوضع، لجأت باكستان إلى الرد العسكري المباشر عبر شن غارات جوية على قادة طالبان باكستان ومعسكراتهم داخل الأراضي الأفغانية، وهو ما أدى إلى اندلاع اشتباكات حدودية متكررة وتبادل للقصف بين الجانبين.

إلى جانب ذلك، وظّفت إسلام آباد أدوات الضغط الاقتصادي والإنساني في محاولة لدفع كابول إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه طالبان باكستان. فقد أغلقت بشكل دوري المعابر التجارية الحيوية، وفرضت قيودًا بيروقراطية على حركة البضائع عبر الموانئ الباكستانية، ما ألحق أضرارًا بالاقتصاد الأفغاني الذي يعتمد بصورة كبيرة على التجارة مع باكستان. كما استخدمت ورقة اللاجئين الأفغان الذين يتجاوز عددهم ثلاثة ملايين لاجئ، إذ أصدرت قرارًا بترحيلهم جماعيًا مع نهاية عام 2023، ومنعتهم من حمل ممتلكاتهم وأموالهم النقدية بما يزيد عن 175 دولارًا للفرد. وقد أفضى ذلك إلى أزمة إنسانية خانقة داخل أفغانستان، خاصة وأن ثلثي المرحّلين تقريبًا لم يعيشوا من قبل في وطنهم الأم، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من تقلص المساعدات الدولية وتجميد المنح الأمريكية.

أمام هذه التوترات المتصاعدة، تراجعت وتيرة بناء علاقة ثنائية مستقرة بين كابول وإسلام آباد، ودفع ذلك الحكومة الأفغانية إلى الانفتاح على جهات بديلة، مثل الهند ودول آسيا الوسطى، والترحيب بالمشاركة في “ممر الشمال–الجنوب” برعاية روسيا والهند وإيران. وفي هذا السياق، برز الدور الصيني كوسيط يسعى إلى تهدئة الأجواء بين الجارتين، وتوفير منصة ثلاثية للتنسيق وحل القضايا الخلافية.

ثالثا: الأولويات الأفغانية

تسعى كابول إلى تنويع بدائلها عبر نسج شبكة واسعة من العلاقات مع الدول المجاورة والفاعلة إقليميًا لا تقتصر على الصين وباكستان، مثل روسيا وأوزبكستان والهند والإمارات وتركيا وربما ماليزيا وإندونسيا. وتركّز الحكومة الأفغانية أولويتها الخارجية على انتزاع اعتراف رسمي يمنحها شرعية دولية، ويعزز قدرتها على جذب الاستثمارات وبناء شراكات اقتصادية تمكّنها من إطلاق مشاريع إعادة الإعمار التي تحتاجها البلاد بشدة.

على الصعيد الأمني، تعمل أفغانستان بشكل وثيق مع جيرانها في ملف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يشن هجمات دامية داخل أراضيها، كما استخدم التنظيم الأراضي الأفغانية لتنفيذ عمليات في موسكو وكابول وإسطنبول. وهو ما يجعل الاستقرار الأفغاني أولوية إقليمية مشتركة، ويزيد من أهمية ترسيخ سلطة الحكومة القائمة لضمان عدم تحوّل البلاد إلى منصة تهديد أمني عابر للحدود.

وفي المجال الاقتصادي، تسعى كابول إلى تنويع طرق التجارة وبدائل التعاون الاستثماري، مثل تفعيل ميناء تشابهار الإيراني الذي تستثمر فيه الهند، بهدف تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد المفرط على الممرات الباكستانية، في ظل إغلاق إسلام آباد المتكرر لمعابر تورخم وشامان الحدوديين. كما تحرص أفغانستان على الاستفادة من دعم الصين السياسي، باعتبارها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وتشجيع استثماراتها في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة. إذ ترى كابول في الشراكات الاقتصادية مع بكين رافعة أساسية لتعزيز الاستقرار وخلق فرص عمل، بما يسهم في تقوية الاقتصاد المحلي ويخفف من الأزمات المعيشية. لكنّها في نفس الوقت تبدي حذرا من الوقوع فريسة للاستغلال الصيني واحتمالات سيطرة بكين على ثروات البلاد الاستراتيجية.