تحذير أرض الصومال لن يعطل توغل تركيا في القرن الأفريقي
سياقات - مايو 2024

الحدث

صرح وزير خارجية “أرض الصومال”، عيسى كايد، بأن اتفاقية الأمن البحري الموقعة بين الصومال وتركيا لا تمنح السفن التركية الحق في دخول مياه إقليمه الانفصالي، وذلك تعقيبا منه على زيارة السفينة الحربية التركية TCG KINALIADA إلى ميناء مقديشو في نهاية أبريل/نيسان 2024، في إطار اتفاقية التعاون الدفاعي بين تركيا والصومال.

تحذير أرض الصومال لن يعطل توغل تركيا في القرن الأفريقي

التحليل: تحذير أرض الصومال لن يعطل توغل تركيا في القرن الأفريقي

من الناحية العسكرية، يمكن لتركيا فرض هيمنتها البحرية على سواحل “أرض الصومال” دون معوقات؛ حيث يفتقر الإقليم الانفصالي إلى مقدرات عسكرية مؤهلة لإعاقة البحرية التركية، كما أن حليفيه، الإمارات وإثيوبيا، ليس من المرجح أن يتورطا في مواجهة بحرية مع تركيا التي يستند تواجدها لاتفاق مع الحكومة المعترف بها دوليا وإقليميا. ومع هذا؛ فإن أنقرة على الأرجح ستميل لتجنب تصعيد الموقف في الصومال والاستفادة من علاقاتها مع جميع الأطراف لمنع تدهور الموقف، خاصة وأن التصعيد في الصومال سيجذب المزيد من الفاعلين الدوليين و الإقليميين.

  • وبينما ستحرص أنقرة على تجنب الصدام مع الإمارات أو إثيوبيا، والعمل على التوصل لتفاهمات مشتركة، فإنها ستواصل أيضا على الضغط على هرجيسا ومنع أي إجراءات انفصالية لفرض أمر واقع، لأن تخلي أنقرة عن التزامات اتفاقها العسكري مع مقديشو يمس مصداقية تركيا كشريك أمني موثوق للحكومات الأفريقية.
  • تمنح اتفاقية التعاون الدفاعي التركي مع الصومال، التي وقعها وزيرا دفاع البلدين في فبراير/ شباط الماضي، “سلطة شاملة” لأنقرة تضمن حماية البحر الصومـالي وحدوده المائية من أي تهديد خارجي، وتنص على بناء وتأهيل تركيا للقوات البحرية الصومالية ومساعدتها في تأمين سواحل البلاد كما تمنح السفن التركية حق تنفيذ دوريات في المنطقة الاقتصادية البحرية للصومال ومياهه الإقليمية، وهو ما يعمق النفوذ التركي بالبلاد.
  • في المقابل، يراهن إقليم “أرض الصومال” الانفصالي على تحالفه مع إثيوبيا، ومع الإمارات أيضا، والذي توج بعقد الجانبين لمذكرة تفاهم في يناير/كانون الثاني 2024 تقضي بسماح “أرض الصومال” لإثيوبيا ببناء قاعدة بحرية عسكرية على سواحله بامتداد 20 كيلو متر مقابل اعتراف إثيوبيا به كدولة ذات سيادة، وحصوله على حصة من ملكية الخطوط الجوية الإثيوبية.
  • تهدد الخلافات بين هرجيسا ومقديشو بجر أطراف أخرى إلى الصراع، وبالأخص في ظل إعلان حكومة مقديشو استعدادها للحرب من أجل منع تنفيذ اتفاق أرض الصومال وإثيوبيا، وهو ما تزامن مع قيام رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، بجولة زيارات إلى إريتريا ومصر وقطر لحشد الدعم الدبلوماسي لموقفه.
  • أبدت أبوظبي عمليا تحفظها على تقارب مقديشو وأنقرة، حيث أوقفت تمويلها الشهري لخمسة ألوية من الجيش الصومالي متمركزة خارج مقديشو تضم 9000 جندي، فيما أبقت على تمويل لواءين فقط يحرسان العاصمة بجوار لواء قوات خاصة مسؤول عن حماية المنشآت الحيوية. ويُعزى تخفيض التمويل الإماراتي إلى أسباب متعددة من بينها توتر العلاقات الثنائية إثر توقيع مقديشو وأنقرة لاتفاقية التعاون العسكري واتفاقية اقتصادية للتنقيب عن النفط والغاز أمام السواحل الصومالية، فضلا عن تداعيات مقتل أربعة ضباط إماراتيين على يد جندي صومالي في قاعدة “الجنرال جوردون العسكرية” التي تديرها الإمارات، وكذلك ردا على تخفيض الرئيس الصومالي لرواتب قوات بلاده الممولة إماراتيا من نحو 330 دولار شهريا في المتوسط لتصبح 200 دولار بما يتماشى مع أجور بقية جنود الجيش الصومالي.
  • يولد تخفيض الدعم الإماراتي تحديات أمام الحكومة الصومالية للبحث عن مصادر تمويل بديلة أو دمج القوات الممولة إماراتيا في وحدات أخرى، وهو ما قد يعرقل الخطط الحكومية لزيادة حجم الجيش إلى 30 ألف جندي كي يحل محل “بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال”، والتي من المفترض أن تنسحب من البلاد نهاية عام 2024، وبالتالي قد يحدث فراغ أمني يفاقم معضلات الصومال، ويتيح لحركة الشباب التقاط أنفاسها، وشن هجوم مضاد تستعيد فيه المناطق التي فقدت سيطرتها عليها خلال العامين الماضيين.
  • كذلك انعكس التوتر بين أبوظبي ومقديشو على إعلان حاكم إقليم بونتلاند، سعيد دني، المقرب من الإمارات وإثيوبيا، عدم اعترافه بسلطة الحكومة الفيدرالية الصومالية في مارس/آذار 2024، بحجة اعتراضه على اعتماد قانون جديد يتيح حق الاقتراع العام المباشر، وهو ما ردت عليه حكومة مقديشو بإصدار قرار بإغلاق القنصليات الإثيوبية في أرض الصومال وبونتلاند.
  • لقد أعادت مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال تشكيل التحالفات في المنطقة، حيث برزت كتلة محتملة تضم إثيوبيا والإمارات وإقليمي أرض الصومال وبونتلاند، في مقابل كتلة أخرى تتشكل تضم الصومال -ممثلة في الحكومة المركزية- وتركيا وجيبوتي، وربما تنضم لهم مصر والسعودية اللتان أعلنتا دعمها لوحدة أراضي الصومال. لكنّ هذه الأطراف الخارجية تربطها علاقات ومصالح متبادلة معقدة، وهو ما يجعل من المبكر الجزم بأن الصومال سيتحول لساحة مواجهة جديدة بينهم.  
  • ورغم سرعة تطبيع العلاقات وتطورها، لا يبدو أن تركيا والإمارات نجحتا في تحقيق مستوى كامل من التنسيق بين البلدين في الملفات الخارجية؛ إذ يبرز الصومال كمنطقة تنافس جيوسياسي، تتعارض مصالح البلدين فيه. فمن جهة، تشرف الأكاديمية التركية للتدريب العسكري “تركسوم” على تدريب قوات صومالية، كما تشرف شركات تركية على إدارة ميناء مقديشو، وصولا إلى تطور الشراكة إلى الاتفاق التعاون العسكري. ومن جهة أخرى، تشرف شركة موانئ دبي على إدارة ميناء بربرة المجاور في أرض الصومال، وتعزز الإمارات من مساعي انفصال الإقليم عن الصومال.
  • يظل التحدي الأبرز في منطقة القرن الأفريقي، والذي يهدد بتفجير المنطقة وتحويلها إلى بؤرة صراعات قومية ودينية، هو طموحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، والذي صرح في خطاب متلفز أمام البرلمان الإثيوبي في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بأن وصول بلاده الحبيسة إلى الموانئ البحرية مسألة وجود، وأن الإثيوبيين البالغ عددهم 150 مليونًا لا يمكنهم العيش في سجن جغرافي، وأن لديهم حقوقا طبيعية في الوصول إلى البحر الأحمر، وبدون ذلك لن يكون هناك إنصاف وعدالة، وبالتالي ستكون مسألة وقت حتى تقاتل بلاده لتحقيق هدفها، وهو ما يهدد الوضع الأمني الهش في القرن الأفريقي.