اغتيال لاريجاني لا يضعف إدارة الحرب لكنّه يختبر المرونة الاستراتيجية للنظام
سياقات - مارس 2026

الخبر

في اليوم الـ18 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الثلاثاء 17 مارس/آذار، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه اغتال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني (67 سنة)، وقائد قوات الباسيج في طهران، غلام رضا سليماني، ومساعده راسم قريشي في طهران الليلة الماضية.

التحليل: إيران تواجه عمليات قطع الرأس بعقيدة الدفاع الفسيفسائي

الخلاصة

لن يشلّ اغتيال لاريجاني وسليماني إدارة الحرب الإيرانية، ولا يهدد بفقدان السيطرة مباشرة؛ لأن المنظومة أُعيد تصميمها لتتحمل ضربات قطع الرأس؛ لكنه يضرب أحد أهم عقول الربط بين القرار الاستراتيجي وإدارة التكيف، بما يعزز غلبة المنطق الأمني-العسكري الصلب. وربما يجعل النظام أقل مرونة في إدارة التصعيد أو اقتناص نافذة تفاوضية. من جهة أخرى، فإن استهداف قيادات رفيعة داخل الحلقة الأمنية–السياسية الإيرانية يسلّط الضوء على هشاشة وضع القيادة الإيرانية. ورغم أن المؤشرات الراهنة لا تزال ترجّح احتفاظ النظام بقدر معتبر من الانضباط المؤسسي وتوافر بدائل داخل شبكته، فإن تكرار الاستهداف والنزيف القيادي قد يعزز تآكل الثقة الداخلي ويفتح المجال لاحتكاكات بين مراكز القوة، بما يجعل تهديد التماسك أكثر جدّية مع مرور الوقت.

  • يمثل هذا الاغتيال أعلى استهداف منذ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في دقائق الحرب الأولى؛ إذ يترأس لاريجاني مجلس الأمن القومي الذي يمثل العصب الاستراتيجي لإدارة الحرب والمفاوضات على حد سواء، ويعمل المجلس كجسر ضروري – بما لديه من الخبرة المؤسسية المتراكمة – بين المرشد الجديد مجتبى خامنئي (الذي يتمتع بخبرة مؤسسية محدودة) والأجهزة العسكرية والأمنية التي تدير الحرب، ولا سيما الحرس الثوري. أما الباسيج هي أداة أساسية للنظام لضمان السيطرة الداخلية. ومن ثم فإن استهداف قيادة المؤسستين بشكل متزامن يستهدف تفكيك قيادة منظومة الأمن الإيرانية برمتها، وهو هدف أساسي مادامت “إسرائيل” متمسكة بهدف تغيير النظام.
  • عقب مقتل خامنئي، برز لاريجاني باعتباره المايسترو الفعلي لإيران حتى بعد اختيار مجتبى خامنئي كمرشد أعلى. فمع غياب قيادات الصف الأول العسكرية، وغياب المخضرم علي شمخاني الذي يُعد ثاني أطول من تولى منصب أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، استند النظام إلى خبرة وموثوقية لاريجاني الهائلة في مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية؛ فعلى مدى أربعة عقود، صعد إلى مواقع رئيسية في جميع مراكز القوة في الجمهورية الإسلامية؛ فقد كان ضابطًا كبيرًا في الحرس الثوري، ووزيرًا للثقافة، ورئيسًا للإذاعة، ورئيسًا للبرلمان، ومرشحًا رئاسيًا، وكبير مفاوضي البرنامج النووي، وأمين مجلس الأمن القومي. وبعد حرب الـ12 يوما، كان لاريجاني هو رجل خامنئي الأول المكلّف بإعادة بناء قدرات المحور وتنسيق جهود الاستعداد للحرب.
  • ورغم ما يمثله مقتله من خسارة لنظام يخوض حربًا وجودية، فليس من المرجح أن يؤدي مقتله، ومقتل قائد الباسيج، إلى خلل مباشر في منظومة التحكم والسيطرة أو ارتباكًا في قيادة أي من المؤسستين. لكنّه في المقابل قد يؤدي إلى مزيد من التشدد الإيراني ويكرّس هيمنة قيادات الحرس الثوري على مجمل مشهد إدارة الحرب بما في ذلك التفاوض المحتمل.
  • ويستند هذا الاستنتاج إلى العوامل التالية:

أولا: لا تتعامل إيران تحت وقع المفاجأة أو الصدمة، بقدر ما تتعامل مع سيناريوهات جرى دراستها والتخطيط لها، ومن ثم وضع البدائل المحتملة. فحين قررت طهران رفض شروط ترامب خلال التفاوض قبل 28 فبراير/شباط، كان ذلك قرارا إيرانيا واعيا بالذهاب إلى الحرب والاستعداد لها. يشمل ذلك وجود خط خلافة متفق عليه ومحدد سلفا لكافة المستويات القيادية السياسية والعسكرية والأمنية لتجنب تكرار الخلل الذي حدث في حرب الـ12 يوما. وبينما قد لا تكون البدائل دائما بنفس الخبرات أو الكفاءة، لكنّ ذلك في الحد الأدنى يضمن استمرار عملية القيادة.

ثانيا: صممت منظومة إدارة الحرب الراهنة وفق عقيدة “الدفاع الفسيفسائي”، وهي عقيدة عسكرية تهدف إلى امتصاص الضربات التي تستهدف شبكات القيادة والسيطرة المركزية، وتستند إلى توزيع السلطة عبر مقرات إقليمية وقيادات الحرس الثوري على مستوى المحافظات. ويؤدي هذا التوزيع إلى تعقيد عملية الاستهداف، ويسمح باستمرار النشاط العسكري حتى في حال تدهور هيكل القيادة المركزي. وتعتمد العقيدة على مسارات اتصال احتياطية، وعلى تفويض السلطة العملياتية، بحيث تستطيع القيادات المحلية الاستمرار في إصدار الأوامر وتنفيذ العمليات إذا تم تعطيل مراكز القيادة الوطنية. ويعمل نظام “الدفاع الفسيفسائي” عبر ثلاثة مستويات قيادية، هي:

▪المستوى الوطني: يحدد التوجه الاستراتيجي وأهداف الحرب
▪المستوى العملياتي: ينسق النشاط العسكري الإقليمي ويوزع الموارد
▪المستوى المحلي (المحافظات): حيث تنفذ قيادات الحرس الثوري وشبكات الباسيج العمليات

ورغم أن هذه العقيدة ليست جديدة على العقل الاستراتيجي الإيراني، حيث ترجع على الأرجح إلى دروس غزو العراق 2003، إلا أن الحرب الحالية تمثل أول اختبار واسع النطاق لهذا النوع من بنية القيادة الموزعة. وتشير سرعة واتساع الضربات الإيرانية الأولية إلى أن المرحلة الأولى اعتمدت على حزم استهداف مُعدة مسبقًا، وليس على قرارات محلية انتقامية مرتجلة. أما العمليات اللاحقة فتشير إلى أن شبكة القيادة لا تزال تنقل التوجيهات العملياتية وأولويات الاستهداف عبر هذا النظام، ما يدل على انتقال من الرد المخطط مسبقًا إلى نمط قيادة تكيفي مع تطور الصراع.

ثالثا: اتساع قاعدة البدائل القيادية. فعلى الرغم من أن لاريجاني كان ينظر إليه باعتباره “الاستراتيجي الأول” في المشهد الراهن، إلا أن استراتيجية الحرب نفسها مخطط لها ومتفق عليها، ومن ثم فإن غياب لاريجاني قد لا يؤثر على إدارة الحرب مباشرة وإنما على مرونة العقل الاستراتيجي الإيراني إزاء الاستجابة للتطورات القادمة، بما في ذلك مستويات التصعيد وفرص التفاوض وتحديد اللحظة التي يجب أن تتغير فيها الاستراتيجية.

إن التراكم المؤسسي في النظام الإيراني قد يبقي على قدرة ومرونة المنظومة، خاصة وأن عددا من السياسيين والعسكريين المخضرمين من المرجح أن يلعبوا دورا في ملء فراغات القيادة. ومؤخرا، ذكرت تقارير إيرانية – ما زالت غير مؤكدة – أن العسكري والسياسي المخضرم محسن رضائي، جرى تعيينه مستشارا عسكريا لمجتبى خامنئي. وسواء تأكد ذلك أم لا، فإنه يظهر أن البيروقراطية الإيرانية (العسكرية والمدنية) تتوفر لديها بدائل متنوعة. حتى إن اللواء محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري بين 2007-2019، لم يجر الاستعانة به بعد، وهو معروف بابتكاراته العقائدية والاستراتيجية الأمنية، وخبراته في إعادة الهيكلة التنظيمية.