إعلان ترامب عن “إطار اتفاق” حول غرينلاند لا ينهي احتمالات التصدع داخل الناتو 
سياقات - يناير 2026

الخبر: 

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء 22 يناير/كانون ثاني، أنه توصل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “ناتو” مارك روته، إلى “إطار اتفاق” بشأن جزيرة غرينلاند وبالمنطقة القطبية الشمالية بأكمله على هامش منتدى دافوس العالمي الاقتصادي بسويسرا. ومن ثم؛ أعلن ترامب تراجعه عن فرض رسوم إضافية على دول أوروبية في الأول من شباط/فبراير. في المقابل، شدد وزير الخارجية الدانماركي لارس لوك راسموسن إن “الولايات المتحدة الأميركية لن تمتلك غرينلاند.” جاء هذا بعد أن طالب ترامب في كلمته بالمنتدى بإجراء “مفاوضات فورية” لاستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، لكنّه أعلن للمرة الأولى أنه لن يستخدم القوة لتحقيق ذلك. وسبق هذا نشر عدد من الدول الأوروبية الأعضاء بحلف الناتو قوات عسكرية محدودة في جزيرة غرينلاند التي تتمتع بحكم إدارة ذاتية تابعة للدنمارك، ضمن عملية “اختبار التحمل في القطب الشمالي” (Arctic Endurance) بقيادة الدنمارك تقدر تعدادهم بنحو 50 جندي، وذلك إثر تهديدات متكررة من الرئيس الأميركي بالسعي إلى ضمها للولايات المتحدة بدعوى الأمن القومي ورفضه لفكرة بقاء الجزيرة تحت السيادة الدنماركية. وقد صرح ترامب أن أمريكا ترغب في الاستحواذ على الجزيرة “سواء بالطرق السهلة أو الصعبة”، وهو تعبير يوحي بوجود خيارات متعددة تتخطى المفاوضات التقليدية. 

التحليل: خطوة ترامب نحو غرينلاند تناقض أولوية توحيد الموقف الغربي تجاه الصين

  • أظهر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على أيدي القوات الأميركية، أن إدارة ترامب جادة في استخدام القوة لتحقيق أهداف استراتيجية دون الاكتراث بالقواعد الدولية المتعارف عليها، وهو ما جعل احتمال لجوء ترامب للخيار العسكري لتحقيق طموحاته بشأن السيطرة على غرينلاند أمرا غير مستبعد. وعلى الرغم من تأكيده المعلن – للمرة الأولى – أنه لن يستخدم القوة، فإن تمسّكه الواضح بالسيطرة على الجزيرة يبقي الشكوك قائمة لدى الدنمارك وعدد من الدول الأوروبية.
  • سيدفع النهج الأمريكي المستند إلى القوة العسكرية حتى تجاه الحلفاء إلى تبني العديد من الدول الإقليمية والكبرى نهجا توسعيا في جغرافيتها مما يزيد من تقويض قواعد النظام الدولي، ويثير احتمالية اشتعال العديد من النزاعات الحدودية وتفتح الباب أمام تبني نزعات تنافسية بين الدول الكبرى والإقليمية لفرض نفوذها على جوارها الأضعف.
  • على الرغم من الطابع الرمزي لعملية “اختبار التحمل في القطب الشمال” الأوروبية، إلا أنها تعكس مستوى تدهور الثقة داخل حلف الناتو وتأثير ذلك على الشراكة التاريخية عبر الأطلسي؛ لأن غرينلاند تخضع للدفاع المشترك مع الدنمارك، وهي أحد أعضاء الحلف. ويمثل هذا الإعلان دلالة على أن هذه الدول فقدت الثقة في التزام أمريكا باحترام سيادة وأمن الدول الأعضاء، وهو ما يسرّع وتيرة جهود أوروبا للاعتماد أكثر على قدراتها الدفاعية الذاتية، وتحقيق استقلال دفاعي تدريجي عن الولايات المتحدة.
  • في الأجل القصير، جرى احتواء مستوى تدهور العلاقات بين واشنطن وأوروبا بعد تراجع ترامب عن فرض رسوم جمركية كان قد أعلن أنه سيفرضها بنسبة 10 ٪ على واردات ثماني دول أوروبية (الدنمارك، النرويج، السويد، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، هولندا، فنلندا)، ​مع احتمالية رفعها إلى 25٪ في 1 يونيو إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق كامل لشراء غرينلاند. وهو إجراء كان سيزيد من تدهور الثقة بين الجانبين خاصة إذا قررت دول أوروبا الرد بإجراء مماثل. لكنّ “إطار الاتفاق” الذي ناقشه ترامب مع مارك روته مازال غامضا، وحتى محل تباين في التأويل بين الاثنين. حيث أكد الأخير أن سيادة الدنمارك على الجزيرة لم تكن محل نقاش، وهو يظهر فجوة في تأويل التفاهمات تبقي على احتمال تكرار موجات التصعيد. 
  • على الرغم من أهمية غرينلاند لاستراتيجية واشنطن الدفاعية والتجارية الدولية، إلا أن هذه المصالح لا تتطلب بالضرورة نقل السيادة إلى واشنطن؛ فهي تتمتع بالفعل بتواجد عسكري من السهل توسعته بالاتفاق مع حلفاء الناتو، كما أن الادعاءات بتنامي نفوذ الصين وروسيا في الجزيرة أو حولها يبدو مبالغا. لذلك؛ ما زال من غير الواضح أسباب لجوء ترامب لتصعيد من هذا النوع خاصة وأنه لا يتفق مع الاستراتيجية الأوسع التي تقضي بإبعاد الصين عن أوروبا وضمان وحدة الموقف الغربي داخل الناتو على احتواء النفوذ الصيني. وتثير الحرب الاقتصادية المحتملة احتمال تحرك الدول الأوروبية بشكل أكثر براغماتية تجاه الصين لتعويض الخسائر المتوقعة، إذ تمثل حصة أمريكا من إجمالي صادرات الدول الأوروبية السنوية نحو 20.6٪ بقيمة تبلغ نحو 530 مليار دولار عام 2024. كما أنه قد يدفع نحو تصدع في الموقف الأوروبي تجاه روسيا حيث ستقدم المصلحة الذاتية لكل دولة على حساب التحالف.
  • خلفية: تتمتع جزيرة غرينلاند بموقع استراتيجي بالقرب من القطب الشمالي وتتطلع أمريكا لنشر منظومات دفاع جوي وصاروخي على الجزيرة، وترى أمريكا في غرينلاند موقعا استراتيجيا ليس فقط لقربه من طرق التجارة القطبية، بل لكونه نقطة فاصلة بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي عبر “ثغرة جي يو كي”. ورغم أهمية قاعدة بيتوفيك الجوية كركيزة للإنذار المبكر ومراقبة الصواريخ والفضاء، تعتبر واشنطن أن هذا الوجود غير كاف، وتسعى إلى تعزيز انتشارها عبر قواعد جوية متقدمة لمتابعة النشاط العسكري الروسي والصيني في ظل تنامي تعاونهما في المنطقة القطبية، هذا بجانب المنافع الاقتصادية والتجارية والموارد الكبيرة التي تمتلكها الجزيرة. بالإضافة لذلك؛ فإن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند قد تكون خطوة ترامب الرامية لاقتسام ثروات القطب الشمالي مع روسيا وضمان إبعاد الصين عن الوصول لهذه الثروات.